أخبار الكرة الإسبانيةإيريك شيلتقارير ومقالات خاصةأخبار

إيريك شيل وحلم ريال مدريد.. أوروبا تعشق ذهب إفريقيا وتتجاهل عقولها

حين صرّح إيريك شيل، مدرب منتخب نيجيريا، بحلمه في تدريب ريال مدريد، لم يكن يطلق مجرد أمنية عابرة، بل كان يلقي حجرًا ثقيلًا في مياه آسنة لم تتحرك منذ عقود دون أن يقصد.

كيف لقارة أنجبت للعالم جورج وياه، وصامويل إيتو، ومحمد صلاح، ودروجبا وغيرهم، أن تقف عاجزة أمام بوابات التدريب في الدوريات الأوروبية الكبرى؟

لماذا يظل “المقعد الفني” في الدوريات الكبرى منطقة محظورة على الأفارقة، إلا من حمل جواز سفر أوروبي؟

تصريح المدرب المالي فتح مجالًا للحديث عن تلك الظاهرة، وهي عدم وجود أي لاعب إفريقي سابق على رأس القيادة الفنية لأي فريق أوروبي، رغم التاريخ الكبير.

حلم إيريك شيل شخصي أم رسالة لقارة كاملة؟

تصريح مدرب نيجيريا لا يمكن قراءته فقط كحلم مهني تقليدي، بل قد يعكس طموح جيل كامل من المدربين الأفارقة الذين بدأوا يفرضون أنفسهم تدريجيًا على الساحة الدولية.

خلال العقود الماضية، كانت القارة الإفريقية تصدّر لاعبين كبارًا للدوريات الأوروبية، لكن على مستوى التدريب ظل التمثيل ضعيفًا للغاية، رغم تألق مدربين في القارة السمراء مثل بيتسو موسيماني وموكوينا، ووليد الركراكي وجمال بلماضي.

لذلك، عندما يتحدث مدرب يقود منتخبًا بحجم نيجيريا عن تدريب ريال مدريد، فهو لا يتحدث فقط عن نفسه، بل عن كسر سقف تاريخي في عالم التدريب.

مثل هذه التصريحات تعطي رسالة بأن المدرب الإفريقي لم يعد يكتفي بالأدوار المحلية أو القارية، بل أصبح يرى نفسه جزءًا من النخبة العالمية، مثلما قال شيل: “أريد أن أصبح أول مدرب إفريقي يقود ريال مدريد”.

ريال مدريد لا يُنظر إليه كنادٍ كبير فقط، بل كرمز لأعلى مستوى يمكن أن يصل إليه المدرب في مسيرته. النادي يجمع بين التاريخ، والضغط الإعلامي، والمنافسة الدائمة على كل البطولات، والقدرة على صناعة الأساطير.

في تصريح إيريك شيل العديد من المعاني والزوايا، أهمها أن الرجل المالي لا يطلب الوظيفة التي يعرف أنها مستحيلة، لكنه يريد الاعتراف، ويطلب أن يعترف الجميع بالقارة السمراء، والنظر لها وكيفية الاستفادة منها على مقاعد البدلاء، مثلما يلهث أي نادٍ أوروبي على مواهبها داخل العشب.

جدول مباريات ريال مدريد في يناير 2026
سانتياجو برنابيو – ريال مدريد (المصدر:Gettyimages)

لماذا تتجاهل أوروبا المدرب الإفريقي؟

بينما تهرع المنتخبات الإفريقية للتعاقد مع مدربين أوروبيين “من الصف الثاني أو الثالث” بمبالغ طائلة، لا نرى أي نادٍ أوروبي يفكر في استقطاب مدرب تألق في أدغال إفريقيا.

هناك أسماء، كما ذكرنا سلفًا، مثل بيتسو موسيماني الذي تألق مع صن داونز، واكتسح القارة مع الأهلي، وخليفته موكوينا بطل السوبر الإفريقي في نسخته الوحيدة، والذي طوّر من طريقة لعب النادي الجنوب إفريقي، بالإضافة إلى إنجازات وليد الركراكي مع الوداد ومنتخب المغرب.

وليد الركراكي - المصدر (جيميناي)
وليد الركراكي – المصدر (جيميناي)

ربما تكون أزمة ثقة في جنسية المدرب. الوكيل الأوروبي يسوّق المدرب البرتغالي أو الإسباني بسهولة لأنه يملك “ماركة مسجلة”، بينما المدرب في إفريقيا – مهما بلغت عبقريته – يفتقر إلى التسويق الذي يطمئن رؤساء الأندية الأوروبية.

وجدنا مدربين مثل روبرتو مارتينيز، على سبيل المثال، الذي قاد أفضل أجيال بلجيكا تاريخيًا، ثم حاليًا مع البرتغال، ولم يحقق أي إنجاز، لكنه يمتلك الوكيل القادر على تسويقه.

نفس الأمر ينطبق على العديد من المدربين الآخرين. على مستوى الأندية نجد جينارو جاتوزو، الذي فشل في كل تجاربه، حاليًا مدربًا لمنتخب إيطاليا، وروبن أموريم وأرني سلوت، بدون إنجازات حقيقية، صعدوا إلى مانشستر يونايتد وليفربول سريعًا.

جينارو جاتوزو - إيطاليا - المصدر (Getty images)
جينارو جاتوزو – إيطاليا – المصدر (Getty images)

هل يقفز إيريك شيل فوق السقف الزجاجي؟

عندما صرّح إيريك شيل بحلمه في قيادة ريال مدريد، لم يكن يجهل تراتبية كرة القدم، لكنه كان يدرك تمامًا أن “السلم التقليدي” للصعود في أوروبا معطل أمام أصحاب البشرة السمراء والقادمين من الجنوب.

في عالم يُجبر فيه المدرب الإفريقي على الانتظار لعقود في أندية الظل أو دوريات الدرجة الثانية ليثبت جدارته، قرر مدرب “النسور” استخدام مطرقة التصريحات الصادمة.

هو يعلم أن أحدًا لن يطرق بابه من الليغا بناءً على نتائجه في تصفيات إفريقيا فقط أو حتى في أمم إفريقيا. لذا، رمى باسم ريال مدريد ليحدث دويًا يكسر صمت الوكلاء، في محاولة لتهشيم “السقف الزجاجي” بضربة واحدة بدلًا من محاولة تسلقه لسنوات دون جدوى.

ماذا يحدث حال تعادل منتخبين في مباراة إقصائية بكأس أمم إفريقيا 2025؟
كأس أمم إفريقيا 2025 (تصوير: عمر الناصيري)

اختيار ريال مدريد تحديدًا هو رسالة مفادها: “إذا كان لاعبونا هم من يصنعون مجدكم في الملعب، فلماذا تستكثرون على عقولنا حق الحلم بالجلوس على مقاعد البدلاء لصناعة المجد أيضًا؟”.

التصريح هنا يمكن أن تراه كبيان احتجاج مغلفًا بطموح رياضي، ولكن هل تنجح مطرقة مدرب نيجيريا؟

تعقيدات عمل المدرب الإفريقي في أوروبا

وللإجابة عن السؤال الذي انتهت به الفقرة الماضية، يجب أن نعرف قواعد العمل للمدرب الإفريقي في أوروبا.

في مايو 2025، وقبل أقل من عام، تحدث بيني ماكارثي، أسطورة جنوب إفريقيا، عن عدم وجود أي مدرب إفريقي في أوروبا، وقال:

“يصبح من الصعب للغاية على المدربين السود الحصول على أماكن في الدوريات الكبرى، ففي إسبانيا، لم أرَ قط مدربًا إفريقيًا يدرب في الدوري الإسباني، وكذلك في إيطاليا وإنجلترا، رأيت واحدًا أو اثنين فقط، وربما لأنهم يمتلكون جنسيات أخرى”.

زين الدين زيدان - ريال مدريد - المصدر (Getty images)
زين الدين زيدان – ريال مدريد – المصدر (Getty images)

بدأ بيني ماكارثي كمدرب في كيب تاون الجنوب إفريقي، ثم أمازولو، وخلال الفترة من 2022 وحتى 2024 عمل كمدرب مهاجمين في مانشستر يونايتد، لكنه عاد إلى القارة السمراء لقيادة منتخب كينيا.

نفس الأمر يتكرر مع حبيب كولو توريه كمساعد مدرب في سيلتك، ثم ليستر سيتي، ثم شباب مانشستر سيتي، ومنذ الصيف الماضي يعمل كمساعد مدرب مع بيب جوارديولا في الفريق الأول، ولم ينتظر ويغان سوى 9 مباريات لإقالته.

كانت فرنسا الدولة الأوروبية الوحيدة تقريبًا التي تعطي مساحة للمدربين من أصول إفريقية، وغالبًا ما يكون السبب أنهم ولدوا أو عاشوا حياتهم الكروية هناك وحصلوا على الجنسية والرخص التدريبية الفرنسية، مثلما حدث مع الثنائي السنغالي حبيب باي وعمر داف.

الرخص التدريبية هي مربط الفرص، لأنه بحسب ميثاق اليويفا للحصول على الرخصة، فإن التي تصدر من اتحادات قارية أخرى مثل (إفريقيا أو آسيا) غير معترف بها بشكل تلقائي، وينص الميثاق حسب موقع اليويفا لعام 2020 على أن المعترف بها تلقائيًا هي رخص اتحادات اليويفا الـ55.

وبالتالي، إذا كان مدرب إفريقي يمتلك رخصة (CAF Pro)، وهي الأعلى في القارة السمراء، يجب عليه عمل معادلة (Recognition of Qualification)، وينظر اليويفا في طلبه ما بين إعادة الدورة أو الحصول على دورات تكميلية.

الخلاصة من ذلك أنه بالنظر إلى القانون، سيكون الأمر صعبًا على المدرب الإفريقي الذي لم يحصل على الدورات في أوروبا، وبالتالي نرى العديد من المدربين الأفارقة حاليًا يحصلون على دورات في القارة العجوز للحصول على رخصة (UEFA Pro Licence)، والتي يمتلكها عدد من أصحاب البشرة السمراء.

في سبتمبر 2020، تحدث محمد كالون، نجم المنتخب السيراليوني السابق، والذي مثل إنتر ميلان وموناكو من بين أندية أخرى، وقال:

“أعلم أن هناك عقبات في الطريق إذا أردت التدريب في إيطاليا، لأنه من الصعب على المدرب الأسود الحصول على وظيفة هناك، لكن مثلما فعلها اللاعبون وانتشروا في أوروبا، يجب أن نغيّر المعادلة”.

كانت تصريحات كالون من مقر الاتحاد الإيطالي أثناء دورة تدريبية للحصول على رخصة (UEFA Pro Licence)، وحاليًا يقود محمد منتخب بلاده.

ريال مدريد الاختيار الخاطئ يا شيل!

ليس لسبب عنصري، أو لعدم كفاءة المدرب المالي، ولكن اختيار ريال مدريد تحديدًا كان الاختيار الأصعب، لأنه نادٍ يُعرف بتقاليده في اختيار مدربيه دائمًا.

دافيدي أنشيلوتي وكارلو أنشيلوتي - المصدر (Getty images)
دافيدي أنشيلوتي وكارلو أنشيلوتي – المصدر (Getty images)

الرئيس التاريخي لريال مدريد هو فلورنتينو بيريز، وهو الرجل الذي يختار مدربي الفريق دائمًا بعناية، فإما أن تكون أسطورة ولديك إرث كبير، مثلما حدث مع (أنشيلوتي، مورينيو، كابيلو) على سبيل المثال وليس الحصر، أو من أبناء النادي، مثل المدرب الحالي أربيلوا، وغيره من الذين حصلوا على الفرصة مثل سولاري وزيدان وكذلك تشابي ألونسو مؤخرًا.

وفي النهاية، حلم شيل مشروع، وتصريح يفتح جرحًا قديمًا ومستمرًا منذ زمن بعيد حول نظرة الأندية الأوروبية للمدرب الإفريقي.

نادر شبانة

صحفي مصري منذ عام 2012، عملت بالعديد من القنوات التلفزيونية، أقوم بتقديم محتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أهتم بكرة القدم العالمية والإيطالية بشكل أكبر، أجيد كتابة القصص في كرة القدم والتحليلات للمباريات، وترجمة الأخبار ومتابعة الأحداث لحظة بلحظة