الدوري الإنجليزيبالوتيلي365TOPبطولات ودوريات

جواسيس الانتقالات.. كيف تتحقق الأندية من شخصية اللاعبين قبل التعاقد معهم؟

في عالم كرة القدم الحديث، لم يعد “الاستثمار” مجرد رقم يُدفع لشراء مهارة لاعب، بل استحال رهانًا ضخمًا على “كائن بشري” شديد التعقيد، فبينما تضج المدرجات بالهتاف لمراوغة ساحرة أو هدف قاتل، تدور في الغرف المغلقة معارك من نوع آخر؛ معارك يقودها محققون سابقون في أجهزة الاستخبارات، وعلماء نفس، وخبراء بيانات، هدفهم الوحيد هو الإجابة عن السؤال الذي أرّق الأندية لعقود: من هو هذا الشخص الذي سنمنحه قميص النادي وملايين الدولارات؟

لم تعد أرقام الأداء البدني كافية، بل أصبحت “العناية الواجبة” واستكشاف أعماق “السيكولوجيا الإدراكية” هما الدرع الأخير لحماية الأندية من صفقات مسمومة قد تطيح باستقرار غرف الملابس وتدمر ميزانيات النخبة؛ في السطور التالية، نغوص في كواليس “الاستخبارات الكروية” لنكشف كيف تتحقق الأندية من شخصية اللاعبين؟ وكيف تحوّل “عقل اللاعب” من فن غامض إلى علم تُحلّله الرادارات؟

حين يتحول سوق الانتقالات إلى ساحة مطاردة استخباراتية

في ممرات شرطة العاصمة البريطانية “سكوتلاند يارد” المظلمة، أمضى نيل ويتبريد أكثر من ربع قرن في قيادة تحقيقات دولية ضد أخطر الشبكات الإجرامية؛ اليوم لم يعد ويتبريد يطارد تجار السموم أو عصابات غسيل الأموال، بل وجد نفسه في قاعات الاجتماعات الفاخرة لأندية الصفوة في “البريميرليج”.

قد يبدو هذا التحول المهني عصيًا على الفهم للوهلة الأولى، لكن بمجرد النظر إلى الأرقام الفلكية التي تضخ في شرايين كرة القدم، تدرك أن استدعاء “محقق جنائي” لحماية الصفقات لم يعد رفاهية، بل ضرورة وجودية.

“في عام 2021 وحده، أنفق الدوري الإنجليزي الممتاز قرابة 1.7 مليار يورو على رسوم الانتقالات”.

هكذا يفتتح ويتبريد حديثه في ندوة استكشافية، كاشفًا عن حجم المخاطرة، ومع وصول متوسط رواتب اللاعبين إلى 50 ألف جنيه إسترليني أسبوعيًا، وتجاوز عمولات الوكلاء حاجز الـ100 مليون جنيه، أدركت الأندية أن الخطأ في التوقيع مع لاعب “مشوه السلوك” لا يعني خسارة فنية فحسب، بل نزيفاً مالياً قد يهدد استقرار النادي لسنوات.

انضم ويتبريد لشركة “سيلفرسيل” للاستشارات الأمنية في أوائل 2021، متسلحًا بخلفية أمنية فذة ومعرفة فطرية بعالم اللعبة؛ فشقيقه “أدريان ويتبريد” كان لاعبًا محترفًا في أندية مثل ليتون أورينت وسويندون ووست هام، كما عمل مدربًا في برينتفورد وإم كي دونز وليستر سيتي، مما منح ويتبريد خلفية قوية لفهم بيئة كرة القدم من الداخل.

هذه التوليفة سمحت لنيل برصد ثغرة قاتلة: الأندية تنفق كـ “شركات مليارية”، لكنها تُدير صفقاتها بـ “عقلية الهواة”.

سقوط التحقق التقليدي.. حينما لا يكفي السؤال “كيف هو؟”

ينتقد ويتبريد الممارسة التقليدية السائدة في الأندية، حيث كان القرار يُبنى على مكالمة هاتفية لصديق مشترك يُسأل فيها ببساطة: “كيف هو اللاعب؟”.

يرى رجل سكوتلاند يارد أن هذا النهج “بدائي”؛ فالعائد على الاستثمار يتطلب “جمع معلومات مستقلًا وموضوعيًا ودقيقًا” يضع النادي في موقع القوة لا التبعية.

لا تكتفي تحقيقات ويتبريد بمراقبة اللاعب، بل تمتد لتشمل “شبكة العلاقات” المحيطة به، يقول ويتبريد:

“نستخدم مهارات فريدة لدراسة نمط حياة اللاعب، حالته الاجتماعية، وحتى التغطية الإعلامية الدقيقة له”.

ويضيف أن التدقيق في “هوية الوكلاء” بات حاسمًا؛ فبعضهم يمتلك خلفيات مشكوكًا فيها، والتأكد من “ملكية الأطراف الثالثة” – خاصة في أمريكا الجنوبية – يحمي النادي من الجلوس في غرفة مفاوضات مع “أشباح” لا صلة قانونية لهم باللاعب.

يمتد الاستقصاء ليشمل العائلة والنفوذ: هل هناك أفراد ذوو تأثير سلبي خلف الكواليس؟ وكذلك الأعمال الجانبية: هل يمتلك اللاعب مشاريع خاصة تشتت تركيزه عن الكرة؟

بجانب التنقيب في الحسابات القديمة أو “الوهمية” التي قد تعكس الوجه الحقيقي للاعب بعيدًا عن حساباته الرسمية “الملمعة”.

مصفوفة الـ40 صفحة.. حين يتحدث العلم الأمني

تنتهي رحلة البحث بما يُسمى “تقييم مصفوفة المخاطر”، هو نظام منظم يجمع المعلومات ويصنفها؛ الخانات الخضراء تعني “الأمان”، والحمراء تعني “الخطر”، يوضح ويتبريد:

الخانة الحمراء لا تعني بالضرورة “لا توقع”، بل تعني “أدر الخطر بحذر”.

وفي ختام العملية، يتسلم النادي ملفًا استخباراتيًا يقع في 40 صفحة مدعومًا بعرض رقمي، ورغم ادعاء بعض الأندية بأنها تقوم بـ “البحث عبر جوجل”، يرد ويتبريد بحسم:

جوجل لن يمنحك الاستخبارات المعمقة، والكشافون يمتلكون المهارة الفنية لكنهم لا يمتلكون “الوقت أو الخبرة الأمنية” لسبر هذه الأغوار.

اليوم، تتوسع قائمة عملاء ويتبريد لتشمل أندية النخبة في إنجلترا، أمريكا، وأمريكا الجنوبية، مع التزام تام بالسرية المطلقة، ففي لعبة تُحسم بتفاصيل صغيرة، أصبح “المحقق الجنائي” هو من يضمن ألا تتحول ملايين الأندية إلى سراب بسبب تفصيل سلوكي سقط سهوًا من تقارير الكشافين.

“أقنعة النجومية”.. تقصي خفايا الشخصية خلف شاشات الهواتف وأروقة الفنادق

إذا كان المحقق نيل ويتبريد يمثل “الدرع القانوني” للأندية، فإن الكشافين على الأرض يمثلون “أجهزة الاستشعار” التي تحاول التقاط الإشارات السلوكية قبل أن تتحول إلى أزمات، يروي أحد الكشافين – الذي فضل حجب هويته – قصة تلخص كيف يمكن لـ “صورة” أن تهدم استثمارًا بقيمة ملايين الدولارات.

بطل القصة مراهق في السابعة عشرة، صُنف كـ “موهبة لا تُصدق” في نادٍ أجنبي عريق متخصص في تصدير النجوم، امتلك الفتى كل المقومات: بنية جسدية هائلة، مهارة فنية تستوفي معايير الصفوة الأوروبية، ومستقبلًا يبدو مشرقاً. لكن “الثقب الأسود” كان في حياته الرقمية.

حين سُئل الكشاف عن سبب التراجع عن ضمه، أشار ببساطة إلى حساب اللاعب على إنستجرام، يقول الكشاف:

“كان الفتى يتصرف كأنه بلغ المجد بالفعل؛ ملابس فاخرة، سلاسل ذهبية، وسيارات ضخمة لا تناسب سنه. كان مشهداً سخيفاً ومحرجًا”.

هذا الاستعراض المبكر كان “دليلًا قاطعًا” دفع 95% من الأندية للإحجام عن التعاقد معه، لتتدهور مسيرته لاحقًا بسبب سلوكه خارج الملعب، يعلق الكشاف بأسى:

“من الجنون كمية المعلومات الخاطئة التي يُفصح عنها اللاعبون دون وعي منهم”.

هذه القناعة دفعت الأندية لممارسات استثنائية، مثل مقابلات “ما وراء الكرة”، حيث يقوم بعض أندية البريميرليج بقضاء ساعات مع اللاعب ووالديه للحديث في شؤون الحياة بعيدًا عن الكرة، في محاولة لفهم “النسيج الأخلاقي” للعائلة.

بالإضافة إلى ما يمكن إطلاق عليه: “التجسس الفندقي”، حيث ترسل أندية أخرى موظفي التعاقدات للتخفي في فنادق الفرق، ومراقبة كيفية تفاعل اللاعب مع الغرباء أو الموظفين بعيدًا عن أضواء التدريبات.

صراع المصادر.. أجندات الوكلاء وشهادات الزملاء

عملية جمع المعلومات هي حقل ألغام من “الأجندات المتضاربة”، يوضح الكشافون أن المصادر قد تضللك؛ فإما أن يروج الوكيل للاعبه أو يحاول خصم إفشال الصفقة؛ المثير للدهشة هو التعاون السري بين الأندية المنافسة؛ فعندما فكر ليفربول في ضم ماريو بالوتيلي عام 2014، لجأوا للعاملين في ناديه السابق مانشستر سيتي.

كانت النصيحة واضحة: “بالوتيلي عبقري، لكنه ينهار تحت الضغط”، وبما أن ليفربول لم يأخذ التحذير على محمل الجد كليًا، فقد جنى ثمار صفقة لم تقدم أفضل ما لديها.

ماريو بالوتيلي - المصدر: gettyimages
ماريو بالوتيلي – المصدر: gettyimages

كما تبرز فجوة في المصداقية بين رأي المدرب ورأي الزملاء، بعض المدربين يتسمون بالذاتية؛ فإذا فشل اللاعب معهم وصفوه بالكابوس، بينما قد يرى الزملاء أن اللاعب يحتاج فقط للدعم.

يروي مدرب في “التشامبيونشيب” كيف أصر على ضم لاعب وُصف بأنه “مصدر إزعاج”، وبعد سبعة أشهر من الاحتواء وبناء العلاقة، تحول اللاعب إلى نجم الفريق الأول.

ورغم إحباط الكشافين عندما يتجاهل المالكون تحذيراتهم طمعًا في “موهبة عاصية”، إلا أن الهدف يظل واحدًا: تقليل المخاطر إلى أدنى حد ممكن، ففهم طبيعة اللاعب قبل توقيع العقد هو الذي يحدد ما إذا كنت ستستثمر في “نجم” أم في “أزمة موقوتة”.

قضية تونالي.. الثقب الأسود في المراهنات الرقمية

تظل قضية ساندرو تونالي مع نيوكاسل هي الجرح الأعمق في جبين “العناية الواجبة”، حيث دفع النادي 55 مليون إسترليني ليكتشف لاحقًا إدمان اللاعب للمراهنات.

يرى المحقق ويتبريد أن اكتشاف المراهنات الرقمية هو “المهمة المستحيلة”؛ ففي الماضي كان اللاعب يُرصد في مكاتب المراهنات، أما الآن فهو يفعل ذلك عبر هاتفه الشخصي وسرًا، يقول ويتبريد:

“لا يمكننا اختراق البريد الإلكتروني لأنه غير قانوني، لكننا نعتمد على مصادر بشرية سرية؛ وهم أشخاص من الدائرة اللصيقة قد يزودوننا بمعلومات عن نمط حياته”.

ولكن قصة الإيطالي أثبتت أن حتى أكثر الأنظمة دقة قد تفشل إذا قرر اللاعب إخفاء سره ببراعة، بعدما تم إيقاف اللاعب لمدة 10 أشهر بسبب المراهنات.

ساندرو تونالي - نيوكاسل يونايتد
ساندرو تونالي – نيوكاسل يونايتد – المصدر: Gettyimages

مختبرات العقل.. حينما تصبح الثقة رقمًا والذكاء الإدراكي مصفوفة بيانات

بينما تنشغل الجماهير بإحصاء المراوغات والمسافات المقطوعة، بدأت الأندية الكبرى تكتشف أن الفارق الحقيقي لا يكمن فيما تراه العين، بل فيما يحدث داخل رأس اللاعب.

ومع اقتراب كل فترة انتقالات، تغيّر السؤال الجوهري داخل غرف اتخاذ القرار: لم يعد “ماذا يفعل اللاعب بالكرة؟” هو المحك، بل “كيف يفكر قبل أن تصله؟”.

بهذا التحول، خرج فهم عقلية لاعب كرة القدم من نطاق الحدس والانطباع الشخصي، ودخل إلى حقل علمي دقيق، يعتمد على البيانات النفسية والإدراكية، ويعامل العقل بوصفه موردًا قابلًا للقياس والتحليل، لا لغزًا عصيًا على الفهم.

لأعوام طويلة، ظلت عبارة “يجيد قراءة الملعب” توصيفًا فضفاضًا يتردد في التقارير الفنية دون معنى عملي، لكن البروفيسور الهولندي جير جوردت، الذي عمل مستشارًا إدراكيًا لكبرى أندية أوروبا لأكثر من 15 عامًا، نجح في تحويل هذا الوصف إلى مؤشر رقمي واضح يُعرف باسم “معدل مسح الملعب” (Scanning Rate).

يعتمد جوردت على تحليل لقطات فيديو عالية الدقة، تراقب حركة رأس اللاعب في الثواني العشر التي تسبق استلامه للكرة، ما بدا في السابق حركة غريزية، تبيّن أنه عملية معرفية دقيقة، أشبه بـ “تحديث فوري للبيانات”، تمنح اللاعب القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في أجزاء من الثانية.

النتائج كانت لافتة، حيث تصدّر تشافي هيرنانديز القائمة بمعدل بلغ 0.83، أي ما يقارب ثماني عمليات مسح قبل كل استلام؛ وفي الدوري الإنجليزي، أظهرت البيانات أن ستيفن جيرارد وفرانك لامبارد كانا من أكثر اللاعبين مسحًا للمحيط، وهو ما يفسر تفوقهما في التمرير تحت الضغط والتمركز الذكي.

تشافي - إنييستا - برشلونة - المصدر (Getty images)
تشافي – إنييستا – برشلونة – المصدر (Getty images)

يعلّق جوردت:

“إذا كنت على وشك استثمار ملايين الجنيهات، فمن المنطقي أن تطلب أرقامًا دقيقة عن القدرات الإدراكية”.

لكنه يحذر في الوقت نفسه من القراءة السطحية للبيانات؛ فالإكثار من تحريك الرأس بلا سياق تكتيكي قد يكون مضللًا. القيمة الحقيقية لا تكمن في عدد النظرات، بل في جودة المعلومات التي يلتقطها اللاعب.

الترميز النفسي في تشيلسي.. كيف تُقاس الثقة؟

في غرب لندن، ذهب نادي تشيلسي خطوة أبعد عبر مشروع داخلي عُرف باسم الترميز النفسي، أشرف عليه الثنائي تيم ومالكوم هاركنس، الفكرة لم تكن تتبع الأهداف أو التمريرات، بل تفكيك كل فعل داخل الملعب وفق دلالته النفسية.

صُنّفت الأفعال إلى فئات دقيقة، مثل أفعال تعكس الثقة، مثل التسديد الجريء من خارج المنطقة، بجانب أفعال تشير إلى التركيز، كقطع تمريرة صعبة أو استباق الخصم، وهو ما اشتهر به نجولو كانتي؛ بالإضافة إلى أفعال تدل على الحافز، مثل الانطلاقات المتكررة للظهير في الدقائق الأخيرة.

أسمير بيجوفيتش - إيدين هازارد - تشيلسي
أسمير بيجوفيتش – إيدين هازارد – تشيلسي – المصدر: Gettyimages

أظهرت البيانات أن إيدن هازارد، في موسمه الأخير مع تشيلسي، كان يتصدر مؤشرات الثقة والتركيز بشكل جعل تأثيره يبدو مضاعفًا مقارنة بزملائه.

الأهم أن النظام كشف تفاصيل لا تظهر في الإحصاءات التقليدية؛ إذ تبيّن أن لاعبين مثل كالوم هدسون أودوي كان يمنح الفريق “دفعة نفسية” ملحوظة فور دخوله بديلًا، وهو أثر لا يظهر على لوحة النتائج، لكنه حاضر بوضوح في “الرادار النفسي” للنادي.

القيم قبل الموهبة.. فلترة الشخصية في ويكومب واندررز

بعيدًا عن أضواء القمة، يتعامل نادي ويكومب واندررز مع العقلية بوصفها خط الدفاع الأول عن هوية النادي، يؤكد ريتشارد دوبسون الذي عمل مساعدًا للمدرب في الفترة ما بين 2021 و2023، أن البيانات النفسية لا تُستخدم فقط لتحسين الأداء، بل لحماية ثقافة غرفة الملابس؛ يقول دوبسون:

“رفضنا لاعبين بسبب نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي، هذا الشخص لا يمثل قيمنا”.

في نظره، قد يجيد اللاعب الحديث أمام الإدارة، لكن شخصيته الحقيقية تتكشف في فضائه الرقمي الخاص، ورغم التحذيرات القانونية المتعلقة بخصوصية البيانات، ترى الأندية أن المخاطرة بزعزعة ثقافة الفريق عبر ضم شخصية غير منسجمة، أخطر من أي جدل قانوني محتمل.

المستقبل بين خوارزمية البيانات وحدس البشر

من مكاتب سكوتلاند يارد مع نيل ويتبريد، مرورًا بكواليس الفنادق وتحليل الحسابات الرقمية، وصولًا إلى مختبرات الإدراك العصبي، تتضح الصورة الكاملة: التعاقد مع لاعب كرة قدم حاليًا لم يعد قرارًا فنيًا فقط، بل عملية تفكيك شاملة للشخصية الإنسانية.

الأندية لم تعد تشتري أقدامًا تسجل الأهداف فحسب، بل تستثمر في عقول تتحمل الضغط، وشخصيات تنسجم مع الجماعة. وكما يلخصها ويتبريد:

“لا يمكنك التنبؤ بالمستقبل، لكن يمكنك تقليص مساحة المفاجآت إلى الحد الأدنى”.

في نهاية المطاف، يكشف هذا التحول الجذري في آليات التعاقد أن كرة القدم قد غادرت عهد “العفوية” إلى غير رجعة، الاعتماد المتزايد على المحققين لتحليل السلوك الجنائي، أو استخدام مصفوفة المخاطر لتقييم الدوائر المقربة من اللاعبين، بجانب الترميز النفسي لقياس الثقة والتركيز، كلها أدوات تهدف لتقليل “الهامش المجهول” في الاستثمار البشري.

ومع ذلك، تظل الحقيقة القائمة هي أن اللاعب ليس مجرد ترس في آلة، بل هو إنسان يتأثر ببيئته وضغوطه وسرائره التي قد لا تصل إليها أقوى برامج التجسس الرقمي، قد تنجح الأندية في رصد “معدل مسح” تشافي، أو اكتشاف “إدمان” مستتر، لكنها لن تستطيع أبدًا إلغاء “الصدفة” أو “التحول النفسي” المفاجئ.

يبدو أن مستقبل الصفقات المليارية لن يُحسم لصالح من يمتلك أكبر قاعدة بيانات فحسب، بل لمن يمتلك القدرة على دمج “ذكاء الآلة” بـ “حكمة البشر”؛ لفهم أن خلف كل “خانة حمراء” في ملف استخباراتي قد يقبع نجم يحتاج فقط لبيئة تحتضنه، وأن خلف كل “معدل مسح” مرتفع قد يوجد لاعب يفتقد لروح الجماعة.

في “أنفيلد” أو “البرنابيو” أو “ستامفورد بريدج”، سيبقى البحث مستمرًا عن تلك التوليفة السحرية: موهبة استثنائية تسكن داخل شخصية سوية، في عالم لا يرحم من يغفل عن التفاصيل.

محمود الشوادفي

صحفي مصري، أكتب في 365Scores عن كرة القدم كما تُرى من داخل التفاصيل، بدأت رحلتي الصحفية عام 2019، وأؤمن أن وراء كل رقم حكاية، ووراء كل مباراة فكرة تستحق أن تُروى بأسلوب مختلف.