جيمس ميلنر.. قصة المراهق الذي بدأ بـ70 جنيهًا وانتهى على عرش الدوري الإنجليزي
جيمس ميلنر، الفتى الذي كان يجمع القمصان المتسخة ويُنظف أحذية قادة ليدز يونايتد وهو يسجل أهدافه الأولى في الدوري الإنجليزي، لم يتخيل أكثر المتفائلين أن تستمر رحلته حتى يرى هؤلاء القادة يعتزلون ويصبحون محللين ومربين، بينما يظل هو ثابتًا في أرض المعركة.
بالأمس، أغلق “ميلي” الدائرة التاريخية بمعادلة الرقم القياسي المسجل باسم غاريث باري، ليثبت أن كرة القدم لا تعترف فقط بالموهبة الفذة، بل تفتح أبواب خلودها لمن يمتلك الانضباط الحديدي، من مراهق يتقاضى 70 جنيهًا أسبوعيًا، إلى أسطورة تتربع على قمة الهرم بـ 653 مباراة، هكذا كُتبت قصة جيمس ميلنر.
لم يكن مجرد مجموع مباريات لعبها جاريث باري في الدوري الإنجليزي الممتاز، بل كان تجسيدًا لفكرة الاستمرارية في أكثر دوريات العالم تطلبًا بدنيًا ونفسيًا، حيث تتغير الأجيال بسرعة، وتختفي المسيرات الطويلة قبل أن تكتمل، ويكاد الزمن وحده يكون الخصم الحقيقي لأي لاعب، هذا الرقم لم يكن مجرد إنجاز فردي، بل كان يبدو وكأنه حد طبيعي لا يمكن تجاوزه بسهولة، أو ربما لا يمكن الوصول إليه أصلًا.
7 سنوات من الرعب التهديفي.. هالاند "الآلي" الذي لا يعطل أبدًا 🤖🇳🇴
— 365Scores Arabic (@365scoresarabic) February 12, 2026
للموسم السابع على التوالي، إيرلينج هالاند يصل إلى 50 مساهمة تهديفية مع النادي والمنتخب، أرقام إعجازية أصبحت روتيناً سنوياً للوحش النرويجي 🔥
هالاند لم يكتفِ بالأرقام، بل كسر صيامه عن التسجيل بعيد المدى بالأمس؛… pic.twitter.com/YUyRShSGDE
ميلنر يتربع على عرش الدوري الإنجليزي
لكن مساء الأربعاء، وفي لحظة لم تحمل في ظاهرها أي دراما استثنائية، دخل جيمس ميلنر أرض الملعب بقميص برايتون كبديل أمام أستون فيلا، لم تكن هناك أضواء خاصة مسلطة عليه، ولا مراسم احتفالية مهيبة، فقط لاعب مخضرم يشارك في مباراة أخرى ضمن موسم طويل.
ومع ذلك، كانت تلك الدقائق القليلة كافية لتضع اسمه رسميًا إلى جانب جاريث باري على قمة قائمة أكثر اللاعبين مشاركة في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز، بعد أربعة وعشرين عامًا كاملة من ظهوره الأول في المسابقة، وصل ميلنر إلى المباراة رقم 653؛ لم يكن الأمر انفجارًا لحظة مجد مفاجئة، بل تتويجًا لمسيرة طويلة من العمل الصامت، والانضباط اليومي، والإصرار الذي لا يتغير.
| الترتيب | اللاعب | عدد المباريات في الدوري الإنجليزي الممتاز |
|---|---|---|
| 1 | جيمس ميلنر | 653 |
| 1 | جاريث باري | 653 |
| 3 | رايان جيجز | 632 |
| 4 | فرانك لامبارد | 609 |
| 5 | ديفيد جيمس | 572 |
| 6 | مارك شفارتزر | 544 |
| 7 | جاري سبيد | 535 |
| 8 | إيميل هيسكي | 516 |
| 9 | جيمي كاراجر | 508 |
| 10 | فيل نيفيل | 505 |
| 11 | ريو فرديناند | 504 |
| 11 | ستيفن جيرارد | 504 |
| 13 | سول كامبل | 503 |
The moment @JamesMilner equalled Gareth Barry's all-time Premier League appearances record! 💫 pic.twitter.com/Hm41gdLID2
— Brighton & Hove Albion (@OfficialBHAFC) February 12, 2026
ما يجعل هذا الإنجاز استثنائيًا ليس الرقم وحده، بل الزمن الذي احتاجه للوصول إليه، فالمسافة بين أول مباراة وآخر رقم قياسي ليست مجرد سنوات، بل 8491 يومًا من التكيف مع تغير الأندية والمدربين، واختلاف الأدوار، وتحولات أساليب اللعب، وتقلبات اللياقة البدنية، وتبدل الأجيال داخل غرف الملابس.
خلال تلك الرحلة، لعب ميلنر لستة أندية مختلفة في الدوري الإنجليزي الممتاز، وارتدى قميص منتخب إنجلترا في 61 مباراة دولية، وحقق ثلاثة ألقاب للدوري، وكأسين للاتحاد الإنجليزي، ودوري أبطال أوروبا، إلى جانب سلسلة طويلة من الألقاب المحلية والقارية؛ ومع ذلك، لم تكن الألقاب هي ما يعرّف مسيرته بقدر ما يعرّفها شيء آخر أكثر ندرة: القدرة على البقاء.
سنوات التكوين.. عندما يُصهر المعدن
قصة ميلنر تبدأ قبل كل هذا بكثير، في مدينة ليدز، حيث لم يكن نجمًا واعدًا فحسب، بل مشجعًا حقيقيًا للفريق الذي سيمنحه أول فرصة في حياته، كان يرتدي قمصان لاعبيه المفضلين ويحلم باليوم الذي يركض فيه على أرض الملعب ممثلًا نادي مدينته.
كان يتقاضى ميلنر 70 جنيهًا إسترلينيًا أسبوعيًا، ورغم دخوله التاريخ كأصغر هداف في البريميرليج آنذاك (16 عامًا و356 يومًا)، إلا أن عقلية “ميلي” كانت مختلفة؛ ففي الوقت الذي كان يفتك فيه الشباك، كان يعود لغرف الملابس ليجمع القمصان المتسخة وينظف أحذية زملائه الأكبر سنًا في فريق الشباب، التزامًا بتقاليد النادي.
كانت بداية أشبه بانفجار مبكر لموهبة شابة، لكنها لم تكن بداية نجم مدلل، بل بداية لاعب يتعلم منذ اللحظة الأولى أن الاحترافية لا تتعلق بالشهرة، بل بالتفاصيل الصغيرة.
حتى وهو يسجل الأهداف مع الفريق الأول، ظل يؤدي واجباته كلاعب ناشئ: تنظيف غرفة الملابس بعد المباريات، جمع القمصان المتسخة من الأرض، والمساعدة في الأعمال اليومية للفريق.
كان لا يزال ينظف أحذية قائد فريق تحت 18 عامًا لأنه أكبر منه سنًا، رغم أنه يلعب بالفعل في الدوري الممتاز، تلك المفارقة المبكرة تلخص فلسفة مسيرته بالكامل: لا توجد امتيازات دائمة، ولا توجد مكانة ثابتة، فقط عمل مستمر.
لم تكن طريقه مفروشة بالنجاح المتواصل، مر بتجارب صعبة مبكرًا، أبرزها في نيوكاسل، حيث واجه واحدة من أكثر اللحظات قسوة في مسيرته عندما شكك مدربه آنذاك في قدرته على أن يكون جزءًا من فريق بطل.
كانت عبارة ستطارده لسنوات، لكنها ستتحول لاحقًا إلى واحدة من أكثر المفارقات دلالة في تاريخ الدوري الإنجليزي، بعدما فاز بثلاثة ألقاب للدوري خلال مسيرته، كذلك عاش خيبة أمل عميقة عندما انهارت صفقة انتقاله النهائي إلى أستون فيلا في اللحظة الأخيرة رغم اكتمال الاتفاق، ليجد نفسه مضطرًا للانتظار عامين إضافيين قبل أن ينتقل بالفعل ويواصل تطوره هناك.
الثورة السماوية وزمن البطولات
التحول الأكبر في مسيرته جاء عندما واجه قرارًا مصيريًا عام 2010: الانضمام إلى تشيلسي بطل الثنائية آنذاك، أو المخاطرة بالانتقال إلى مانشستر سيتي الذي لم يكن قد فاز بلقب كبير منذ عقود.
اختار المغامرة، لم يختر الطريق الأسهل، بل الطريق الذي يتطلب إعادة بناء؛ وخلال خمس سنوات، أصبح جزءًا من التحول التاريخي للنادي، وفاز معه بلقبين للدوري الإنجليزي، وكأس الاتحاد، وكأس الرابطة، ليؤكد مكانته كلاعب متعدد الأدوار يمكن الاعتماد عليه في أي مركز وفي أي ظرف.
حقبة ليفربول.. الانفجار المتأخر
ثم جاء فصل ليفربول، حيث بلغت مسيرته ذروة المجد الجماعي، فاز بالدوري الإنجليزي، ودوري أبطال أوروبا، وكأس الاتحاد، وكأس الرابطة، وكأس السوبر الأوروبي، وكأس العالم للأندية؛ ومع ذلك، لم تتغير طبيعته، ظل اللاعب نفسه الذي يناقش المدرب بصراحة، ويتعامل مع كل مباراة بجدية كاملة، ويقيس نجاحه بقدر ما يقدمه للفريق لا بما يقال عنه خارجه.

وعندما بدا أن مسيرته تقترب من نهايتها، اختار فصلًا جديدًا بدل التوقف، في عام 2023، انضم إلى برايتون ليواصل اللعب في موسمه الرابع والعشرين في الدوري الإنجليزي الممتاز؛ أربع وعشرون سنة في البطولة نفسها، وسط أجيال من اللاعبين الذين ظهروا واختفوا، ومدربين جاؤوا ورحلوا، وأساليب لعب تبدلت مرات لا تحصى.
ورغم بلوغه الأربعين، لا يزال يتعامل مع كل مباراة وكأنها الأخيرة، مستحضرًا نصيحة سمعها وهو في السادسة عشرة: استمتع باللحظة، فالوقت يمر سريعًا.
اليوم، وهو يعادل الرقم القياسي التاريخي لجاريث باري، لا يقف ميلنر عند قمة قائمة رقمية فحسب، بل يقف كدليل حي على أن الاستمرارية نفسها يمكن أن تكون أعظم إنجاز في كرة القدم الحديثة.
مسيرته ليست قصة نجم ساطع احترق سريعًا، بل قصة ضوء ثابت لم ينطفئ أبدًا. قصة لاعب لم يبنِ إرثه على لحظة واحدة عظيمة، بل على آلاف اللحظات الصغيرة التي لم يلاحظها أحد.
السؤال لم يعد كيف وصل إلى هنا؟ وإنما السؤال الحقيقي: كم مرة أخرى يمكن للزمن أن يُهزم قبل أن يتوقف أخيرًا؟ الآن، يقف ميلنر على بعد مباراة واحدة من الانفراد بالعرش وحيدًا؛ مباراة واحدة ليكون “الخالد” في تاريخ البريميرليج.