أخبار الكرة السعوديةالدوري السعوديقصص 365Scoresالأهلي

كابوس الشتاء يطارد العالمي.. كيف تحول قطار النصر من دهس الخصوم إلى محطة الفشل؟

للبدايات سحرٌ خاص لا يُقاوَم، سحر يصنع وهم الكمال ويمنح الجماهير شعورًا بأن فريقها يسير فوق العشب لا عليه، وأن المجد بات مسألة وقت لا أكثر، هكذا افتتح النصر موسمه، بسلسلة انتصارات متوهجة وأداء هجومي خاطف، زرع الرهبة في المنافسين وأشعل المدرجات ثقةً وحماسًا.

ارتفعت الطموحات، وتعاظم الإيمان بأن هذا الموسم كُتب ليكون موعدًا مع التعويض الكبير وعودة مرتقبة إلى قمة الكرة السعودية، حيث لا مكان إلا للذهب.

لكن، وكما تتبدل الفصول، تبدلت أحوال الفريق الأصفر بشكل دراماتيكي مفاجئ. فمع دخول أجواء الشتاء، هبت رياح باردة جمدت أقدام اللاعبين وأطفأت شعلة الحماس التي كانت تتقد في الملعب.

لم يكن التراجع تدريجياً، بل جاء كصفعة قوية ومباغتة، حيث تحولت الهتافات المنتشية إلى تساؤلات حائرة، واستبدلت صيحات الفرح بآهات الحسرة، وكأن الفريق الذي كان يلتهم الخصوم قد فقد ذاكرته الفنية فجأة، تاركاً جماهيره في حالة من الذهول وعدم التصديق لما يحدث أمام أعينهم.

ثلاث مباريات كانت كفيلة بقلب الموازين رأساً على عقب، ثلاث محطات توقف فيها قطار النصر عن السير، ليسجل “العالمي” رقماً سلبياً مقلقاً بالتعثر للمرة الثالثة على التوالي. البداية كانت بالخسارة المؤلمة أمام الأهلي، تلتها سقطة أخرى غير متوقعة أمام القادسية، قبل أن يكتفي الفريق بنقطة يتيمة من تعادل بطعم الهزيمة أمام الاتفاق.

هذه السلسلة من النتائج السلبية لم تكن مجرد كبوة عابرة، بل كانت جرس إنذار صاخب يعلن دخول الفريق في نفق مظلم يحتاج لتدخل عاجل قبل فوات الأوان.

ضياع الصدارة وتربص المنافسين

النتيجة المباشرة والأكثر إيلاماً لهذا التراجع كانت التنازل عن قمة الترتيب، لم يعد النصر سيد الموقف في الدوري السعودي، بل وجد نفسه متأخراً بفارق 4 نقاط كاملة عن الغريم التقليدي الهلال، الذي استغل تعثرات جاره العاصمي لينقض على الصدارة ويحكم قبضته عليها.

هذا الفارق النقطي، وإن كان قابلاً للتعويض حسابياً، إلا أنه يضع ضغطاً نفسياً هائلاً على لاعبي النصر، ويمنح الهلال أريحية كبرى في تسيير المباريات القادمة، مما يجعل مهمة استعادة القمة أكثر تعقيداً مما يتخيله البعض.

المصائب لا تأتي فرادى داخل البيت النصراوي، فالخطر لا يأتي من الأمام فقط حيث يبتعد الهلال، بل ومن الخلف أيضاً. فريق التعاون، الحصان الأسود للبطولة، يتربص بالوصافة، حيث أن انتصاره المنتظر في مباراته غداً أمام الشباب سيجعله يتساوى بالنقاط مع النصر.

هذا السيناريو إن حدث، سيضع “العالمي” في موقف محرج للغاية، مهدداً إياه بالتراجع للمركز الثالث، وهو ما لا يليق بحجم الطموحات والأسماء الرنانة التي يضمها الفريق.

تصحيح المسار.. 5 معلومات عن مباراة النصر ضد القادسية في الدوري السعودي
كريستيانو رونالدو – ناتشو فيرنانديز – النصر – القادسية – (المصدر: Getty images)

أسباب التراجع في الميزان

وبالنظر إلى الأسباب الفنية، يبرز غياب النجم السنغالي ساديو ماني كأحد أهم العوامل المؤثرة، رحيل “أسد التيرانجا” للمشاركة مع منتخب بلاده في بطولة كأس أمم إفريقيا ترك فراغاً تكتيكياً واضحاً في الجناح الهجومي.

ماني لم يكن مجرد لاعب يسجل الأهداف، بل كان محركاً للفريق، ومسانداً دائماً للظهير، وعنصراً حيوياً في عملية الضغط العالي. غيابه أخل بالتوازن الهجومي وكشف ظهر الفريق في بعض المباريات، مما يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية البدلاء لتعويض نجم بهذا الحجم.

على الجانب الآخر، تتوجه الأنظار صوب الإدارة الفنية والمدرب لويس كاسترو. التقارير تشير إلى حالة من عدم الرضا قد تكون تسللت إلى الكواليس. هل المدرب مستاء فعلاً من تباطؤ الإدارة في حسم صفقات شتوية تدعم الفريق؟ في ظل المنافسة الشرسة، يحتاج الفريق لدماء جديدة تسد الثغرات، وعدم التحرك في الميركاتو قد يُفسر على أنه قلة طموح أو سوء تخطيط، وهو ما ينعكس سلباً على معنويات الجهاز الفني واللاعبين على حد سواء.

ولا يمكن إغفال التراجع الملحوظ في مستوى بعض الركائز الأساسية للفريق. هناك نجوم كان يعول عليهم الجمهور لصناعة الفارق، باتوا عبئاً في الملعب، سواء بسبب الإرهاق من ضغط المباريات أو بسبب انخفاض التركيز الذهني.

الأخطاء الدفاعية الساذجة التي تكررت في مباريات الأهلي والقادسية، والعقم الهجومي الذي ظهر أمام الاتفاق، كلها مؤشرات تدل على وجود خلل في المنظومة الجماعية يحتاج لإعادة ضبط سريع.

حالة “التشبع” أو الثقة الزائدة قد تكون لعبت دوراً خفياً في هذا الانهيار. البداية القوية ربما خدعت اللاعبين وجعلتهم يظنون أن الفوز سيأتي بأقل مجهود، وهو الفخ الذي سقط فيه الفريق أمام أندية تلعب بروح قتالية عالية وتنظيم دفاعي محكم.

كرة القدم لا تعترف بالأسماء بقدر ما تعترف بالعطاء داخل المستطيل الأخضر، وهذا الدرس القاسي الذي يتجرعه النصر حالياً.

الجماهير النصراوية، التي كانت تمني النفس بموسم تاريخي، تعيش الآن حالة من القلق المشروع. مواقع التواصل الاجتماعي تضج بالمطالبات لتصحيح المسار، سواء عبر تدخل إداري حازم، أو تغييرات فنية جريئة تعيد الروح للفريق. الجمهور يدرك أن الاستمرار بهذا النهج يعني الخروج بموسم صفري، وهو كابوس لا يريد أي عاشق للأصفر أن يتخيله.

هل للنصر من عودة؟

يبقى السؤال الأهم، هل يملك النصر القدرة على الانتفاضة والعودة من بعيد؟ الدوري لا يزال في الملعب، وفارق النقاط الأربع ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب “رجة” قوية داخل غرفة الملابس، ومصالحة فورية مع الجماهير عبر العودة لسكة الانتصارات. الأيام القادمة ستكون حاسمة، فإما أن يستعيد العالمي بريقه، أو يستمر النزيف وتتبخر الأحلام.

شريف كمال

صحفي رياضي منذ عام 2015، وعضو نقابة الصحفيين المصريين ورابطة النقاد الرياضيين. متخصص في تغطية كرة القدم المحلية والعربية، وصناعة المحتوى الرياضي بمختلف أشكاله. أهتم بالتقارير الرقمية والتحليلية المدعومة بالبيانات، وإجراء الحوارات الصحفية والمصورة. أسعى دائمًا لتقديم تغطية احترافية تُوازن بين سرعة الخبر وعمق التحليل. المزيد »