الجسد لا يرحم.. كيف تحول محمد صلاح من ملك متوج إلى لاعب يبحث عن ذاته؟
في كرة القدم، لا يعترف الزمن بالأمجاد، ولا يمنح الجسد فرصة للراحة دون ثمن، عبارة “الجسد لا يرحم” تبدو قاسية، لكنها تختصر حكاية موسم يعيشه محمد صلاح بكل ما فيه من تساؤلات، الملك المصري الذي اعتلى عرش البريميرليج لسنوات، ودوّن اسمه بين أعظم من لمسوا الكرة في إنجلترا، لم يعد ذلك الإعصار الهجومي الذي يربك الدفاعات ويخطف المباريات في لحظة.
هناك شيء تغيّر؛ الإيقاع لم يعد بنفس الحدة، والانطلاقات لم تعد بنفس الشراسة، والحسم الذي كان سمة أساسية في شخصيته الكروية بات يظهر على فترات متباعدة، صلاح الذي كان يفرض حضوره على أي مباراة، أصبح أحيانًا يمرّ بهدوء، وكأنه يبحث عن نسخته القديمة بين زحام المباريات وضغط المواسم الطويلة.

صورة هذا التحول تجلّت بوضوح في مواجهة ليفربول الأخيرة أمام سندرلاند، صحيح أن صلاح صنع هدف الفوز لفان دايك في الشوط الثاني، في لمسة تذكّرنا بقدرته على الحسم، لكن ذلك لم يُخفِ حقيقة غيابه الطويل عن أجواء اللقاء، خاصة في الشوط الأول، أرقام صادمة للاعب بحجمه: دون صناعة فرص، دون تسديدات على المرمى، دون مراوغات ناجحة، وفقدان متكرر للكرة.
مشهد لم يعتده جمهور “أنفيلد” من لاعب كان دائمًا العنوان الأول للخطورة الهجومية، بدا صلاح وكأنه يؤدي واجبه، لا يسيطر على المباراة كما اعتاد، ولا يفرض شخصيته كما فعل لسنوات، في دلالة واضحة على صعوبة المرحلة التي يمر بها هذا الموسم.

وربما لا يتعلق الأمر بمباراة واحدة، بل بموسم كامل تتراجع فيه اللمسة السحرية شيئًا فشيئًا، الإرهاق التراكمي، ضغط المشاركات، عامل السن، وحتى التفكير في المستقبل، كلها عناصر قد تلقي بظلالها على أداء أي لاعب مهما بلغت عظمته.
محمد صلاح لم يفقد موهبته، لكنه يمر بلحظة اختبار حقيقية: هل هو هبوط عابر في مسيرة أسطورة، أم بداية مرحلة جديدة تتطلب إعادة اكتشاف الذات؟ في كرة القدم، كما في الحياة، الجسد لا يرحم، لكن العظماء وحدهم من يعرفون كيف يقاومون الزمن ويكتبون فصلًا جديدًا بعد كل اهتزاز.
ملك البريميرليج في أوجه التألق التاريخية
قبل الانسياق وراء أحاديث التراجع وتقلبات المستوى، لا بد من التوقف أمام الإرث الذي صنعه محمد صلاح في الدوري الإنجليزي الممتاز، النجم المصري لم يكن مجرد هداف عابر أو جناح تألق لموسم أو اثنين، بل تحول إلى أحد أعمدة تاريخ ليفربول الحديث، وإلى اسمٍ يُذكر تلقائيًا عند استعراض عظماء البريميرليج، أرقامه في صناعة اللعب تحديدًا تعكس تطوره كلاعب متكامل، لم يكتفِ بهز الشباك، بل صنع الفارق لزملائه وشارك في كتابة لحظات حاسمة في مسيرة “الريدز”.
| اللاعب | عدد التمريرات الحاسمة |
|---|---|
| ستيفن جيرارد | 92 |
| محمد صلاح | 92 |
| ترينت ألكسندر أرنولد | 64 |
| ستيف ماكمانامان | 58 |
| أندرو روبيرتسون | 56 |
| روبرتو فيرمينو | 50 |
وجود صلاح على قدم المساواة مع القائد التاريخي ستيفن جيرارد ليس تفصيلًا عابرًا، بل شهادة على استمراريته وتأثيره الممتد لسنوات، في فريق عرف عبر تاريخه الطويل صناع لعب من الطراز الرفيع.
وعلى مستوى الدوري الإنجليزي ككل، تتضح الصورة أكثر، صلاح لم يحفر اسمه فقط في سجلات ليفربول، بل اقتحم قائمة كبار صناع اللعب في تاريخ المسابقة، متفوقًا على أسماء ارتبطت بعصور ذهبية لأنديتها، ورغم اختلاف المراكز والأدوار، فإن وجوده بينهم يؤكد مكانته كأحد أبرز نجوم حقبة البريميرليج الحديثة.
| اللاعب | عدد التمريرات الحاسمة |
|---|---|
| رايان جيجز | 162 |
| كيفين دي بروين | 119 |
| سيسك فابريجاس | 111 |
| واين روني | 103 |
| فرانك لامبارد | 102 |
| دينيس بيركامب | 94 |
| دافيد سيلفا | 93 |
| محمد صلاح | 93 |
| ستيفن جيرارد | 92 |
هذه الأرقام تؤكد أن الحديث عن موسم متذبذب لا يمحو حقيقة أن محمد صلاح رسّخ مكانته بين أساطير اللعبة في إنجلترا، فالتاريخ لا يُكتب بلحظة تراجع، بل بسنوات من التألق، وصلاح كان – ولا يزال – أحد أبرز عناوينها.

موسم غريب لمحمد صلاح.. ملك يبحث عن ذاته
يبدو هذا الموسم مختلفًا في كل تفاصيله بالنسبة لمحمد صلاح، اللاعب الذي اعتاد أن يكون عنوان الحسم وواجهة ليفربول الهجومية، بات يظهر أحيانًا كمن يفتش عن بريقه القديم وسط زحام المباريات وضغط التوقعات، لم يعد الحضور طاغيًا كما كان، ولا التأثير ممتدًا على مدار التسعين دقيقة كما اعتدنا.
الأمر لا يتعلق بلقاء واحد أو منافس بعينه، بل بسياق عام يوحي بأن النسخة الحالية من صلاح أقل حدة وأكثر ترددًا، التحركات لم تعد بنفس السرعة، والانطلاقات فقدت جزءًا من شراستها، واللمسة الأخيرة لم تعد مضمونة كما كانت، حتى في المباريات التي ينجح فيها في التسجيل أو الصناعة، يظل الإحساس العام بأن تأثيره لم يعد شاملًا كما كان في سنوات المجد، وكأن اللاعب الذي كان يفرض إيقاعه على المباراة، أصبح ينتظر اللحظة بدلًا من أن يصنعها بنفس القوة المعتادة.

الجدل الأكبر يدور حول عامل السن والإرهاق التراكمي، صلاح دخل منتصف العقد الثالث من عمره، بعد سنوات لعب فيها بأقصى طاقته محليًا وأوروبيًا ودوليًا دون توقف تقريبًا، الجسد الذي تحمّل ضغط المواسم المتتالية والمباريات الكثيفة بدأ يرسل إشارات خفية بأن وتيرة الأمس لا يمكن الحفاظ عليها إلى الأبد،
كل موسم في كرة القدم يضيف حملًا جديدًا على العضلات والتركيز الذهني، السؤال الآن: هل ما نراه مجرد مرحلة طبيعية في مسيرة لاعب عظيم، أم بداية لتحول أكبر يفرض على صلاح إعادة تعريف دوره وأسلوبه في السنوات المقبلة؟
رغم كل هذا التراجع، يظل صلاح قادرًا على ترك بصمته، في مباراة سندرلاند، جاء دوره في صناعة هدف فان دايك في الشوط الثاني، وهو ما يذكّرنا بقدرة اللاعب على حسم المباريات حتى في أصعب الأوقات، هذه اللحظة الوحيدة كانت كافية لتذكير الجماهير أنه ما زال يملك القدرة على الإبداع، لكن السؤال الكبير يبقى: هل يمكن أن تكون هذه اللحظات كافية لإخفاء فترة التراجع الطويلة؟

الدوري السعودي.. نقطة تحول محتملة
بعيدًا عن العوامل البدنية والفنية، يبرز عنصر آخر لا يقل تأثيرًا في المشهد: الحديث المتكرر عن انتقال محتمل إلى الدوري السعودي، هذه الأنباء، سواء كانت قريبة أو مؤجلة، تضع محمد صلاح في منطقة رمادية نفسيًا؛ بين الاستمرار في أعلى درجات التنافس الأوروبي، حيث المجد الكروي والتحدي اليومي، وبين تجربة جديدة قد تحمل إغراءً ماليًا ضخمًا ومكانة مختلفة في مشروع صاعد، مجرد وجود هذا الخيار على الطاولة قد يخلق صراعًا داخليًا، حتى لو لم يُعلن عنه صراحة، لأن القرارات الكبرى تبدأ غالبًا بفكرة.
السؤال هنا لا يتعلق فقط بالانتقال، بل بتأثير التفكير في الانتقال، هل تؤثر هذه التكهنات على التركيز؟ هل يصبح اللاعب أقل اندفاعًا حين يشعر أن محطة جديدة قد تلوح في الأفق؟ أم أن الأمر لا يتجاوز كونه شائعة موسمية تحيط بكل نجم كبير؟ في حالات كثيرة عبر التاريخ، كان الحديث عن الرحيل نقطة تحول نفسية للاعبين، بعضهم عاد بعدها أكثر شراسة لإثبات ذاته، وآخرون دخلوا في مرحلة تراجع تدريجي لم يستطيعوا كبحها.
فان دايك يكتب التاريخ.. وصلاح يُجاور الأساطير 👑🔥
— 365Scores Arabic (@365scoresarabic) February 11, 2026
برأسية في شباك سندرلاند، أصبح فيرجيل فان دايك المدافع الأكثر تسجيلاً للأهداف في تاريخ ليفربول بالبريميرليج 🎯
وفي صناعة الهدف ذاته، مرر محمد صلاح أسيسته رقم 92 ليعادل ستيفن جيرارد كأكثر من صنع أهدافًا للريدز في تاريخ المسابقة… pic.twitter.com/EYHdAn4GUG
الإجابة لا تزال معلّقة، لكن حين تتكرر مباريات مثل شوط سندرلاند الأول، بإحصائيات صادمة للاعب بحجم صلاح، يصبح القلق مشروعًا، الجسد لا يرحم، والتاريخ الرياضي مليء بأمثلة لنجوم عانوا من هبوط طبيعي بعد سنوات من القمة، الفارق دائمًا يكون في كيفية التعامل مع المرحلة: هل تتحول إلى بداية أفول بطيء، أم إلى دافع لإعادة الاشتعال؟ الدوري السعودي قد يكون فرصة جديدة.. أو مجرد فصل في قصة أكبر عنوانها: كيف يتحدى العظماء الزمن.
صلاح وإرث لا يُمحى مع ليفربول رغم موسم متذبذب
حتى مع موسم يشهد انخفاضًا في الأداء، يظل محمد صلاح واحدًا من أعظم اللاعبين في تاريخ ليفربول والدوري الإنجليزي الممتاز، الأرقام التراكمية تظهر أنه ليس مجرد لاعب حالي، بل أسطورة حية أثرت على مسيرة النادي وكتبت فصولًا مهمة من تاريخ “الريدز”، تمريراته الحاسمة وإسهاماته في صناعة الأهداف تجعل منه لاعبًا محوريًا في كل موسم، بغض النظر عن تذبذب الأداء الحالي، وهو ما يضعه في مرتبة خاصة بين أساطير اللعبة.
| اللاعب | الفريق | عدد التمريرات الحاسمة |
|---|---|---|
| ستيفن جيرارد | ليفربول | 92 |
| محمد صلاح | ليفربول | 92 |
| ديفيد سيلفا | مانشستر سيتي | 93 |
| فرانك لامبارد | تشيلسي | 90 |
| تيري هنري | أرسنال | 74 |
| ترينت ألكسندر أرنولد | ليفربول | 64 |
هذه الأرقام تؤكد أن إرث صلاح لا يمكن محوه أو تجاهله، وأن أي مرحلة تراجع مؤقتة لا تقلل من بصمته التاريخية في كرة القدم الإنجليزية والأوروبية.

الجسد لا يرحم.. هل هي مرحلة مؤقتة لصلاح؟
تراجع مستوى محمد صلاح هذا الموسم يبدو مرتبطًا بعدة عوامل مترابطة، أولها الإرهاق البدني نتيجة جدول مزدحم بالمباريات المحلية والأوروبية، مما أثر على سرعته، المراوغات، ودقة تمريراته، ثانيًا، الضغط النفسي المتواصل، فالتوقعات المرتفعة من الجماهير والنقاد تجعل أي تراجع صغير يبدو كارثيًا، حتى لو كان طبيعيًا في مسيرة أي لاعب.
إضافة إلى ذلك، ثمة عامل المستقبل المهني، خاصة الحديث عن انتقال محتمل إلى الدوري السعودي، الذي قد يخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي، ويؤثر على تركيزه وأدائه داخل الملعب، وأخيرًا، السن، فمع دخول صلاح العقد الثالث من عمره، يصبح الحفاظ على الأداء العالي المستمر أكثر تحديًا، رغم أن الثلاثينيات ليست نهاية الطريق، لكنها تتطلب جهدًا مضاعفًا لاستمرار التألق.

محمد صلاح.. الملك يبحث عن ذاته
محمد صلاح، اللاعب الذي ألهم الملايين، لم يختفِ بالكامل، لكنه يمر بفترة صعبة من الغياب النسبي عن التألق المعتاد، الجسد لا يرحم، والسن والضغط النفسي والبدني بدأت تطبع آثارها، ومع ذلك، يبقى صلاح بين الأساطير، سواء من حيث الإحصائيات التاريخية أو قدرته على حسم اللحظات المهمة، مثل صناعة هدف فان دايك أمام سندرلاند.
الأسئلة الكبيرة تبقى: هل هذا الموسم مجرد هبوط مؤقت، أم بداية مرحلة جديدة يحتاج فيها الملك المصري لإعادة اكتشاف ذاته؟ هل يمكن أن يعود صلاح بقوة في المباريات القادمة ويعيد العرش الذي عرفناه؟ أو هل الدوري السعودي سيكون نقطة تحول تغير مسار ملك البريميرليج إلى تجربة جديدة بعيدًا عن الأضواء الأوروبية؟
حتى الآن، الإجابة في الهواء، ولكن ما هو مؤكد أن محمد صلاح يظل شخصية كروية فريدة، حتى في أوقات الغياب، واسم الملك المصري سيظل حاضرًا في ذاكرة البريميرليج والجماهير إلى الأبد.