اتخذ لوكا زيدان قرارًا مفصليًا في مسيرته الدولية، حين اختار تمثيل المنتخب الجزائري، مبتعدًا عن مساره السابق مع منتخبات فرنسا السنية، ليضع نفسه على أعتاب تجربة دولية كبرى قد تقوده إلى كأس العالم، ولكن هذه المرة تحت راية البلد الذي ينتمي إليه وجدانيًا وجذريًا.
القرار، الذي يحمل أبعادًا رياضية وعائلية في آنٍ واحد، أعاد إلى الواجهة اسم زيدان، لكن من زاوية مختلفة عن تلك التي ارتبطت تاريخيًا بوالده زين الدين، بطل مونديال 1998 وأحد أعظم لاعبي خط الوسط في تاريخ اللعبة.
أزمة حراسة المرمى فتحت الباب أمام لوكا زيدان
صادق الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، على طلب تغيير الولاء الرياضي، بعد استيفاء زيدان لجميع الشروط القانونية، ليصبح رسميًا مؤهلًا للدفاع عن ألوان الجزائر، وهو القرار الذي نُشر عبر المنصات الرسمية للاتحاد، واضعًا حدًا لمسار دولي بدأ مبكرًا مع منتخبات فرنسا للفئات العمرية، ووصل حتى منتخب تحت 20 عامًا.
جاء انضمام لوكا زيدان في توقيت حساس بالنسبة للمنتخب الجزائري، الذي عانى خلال العام الماضي من غياب الاستقرار في مركز حراسة المرمى، فقد استعان الجهاز الفني بأربعة حراس مختلفين في المباريات التنافسية.
كان أبرزهم أليكسيس جندوز، حارس مولودية الجزائر، إلى جانب أسامة بنبوت من الدوري المحلي، وأنتوني ماندريا الناشط في الدرجة الثالثة الفرنسية، وألكسندر أوكيدجا المحترف في الدوري الصربي، هذا التعدد عكس حاجة واضحة إلى خيار أكثر ثباتًا وخبرة أوروبية، وهو ما جعل ملف زيدان يحظى باهتمام خاص داخل أروقة الاتحاد.
إسماعيل زيدان.. الصوت الحاسم
يبلغ لوكا زيدان 27 عامًا، وهو الثاني بين أربعة أشقاء جميعهم تخرجوا من أكاديمية ريال مدريد، المؤسسة التي شكّلت ملامحهم الكروية الأولى.
خاض مباراتين رسميتين بقميص الفريق الأول للنادي الملكي، وراكم خبرة إضافية في الدوري الإسباني مع رايو فايكانو، قبل أن تستقر مسيرته خلال المواسم الأربعة الماضية في دوري الدرجة الثانية، متنقلًا بين إيبار وغرناطة، حيث يلعب حاليًا.
ورغم نشأته الكروية الفرنسية وتمثيله لعدة منتخبات عمرية، فإن ارتباطه بالجزائر ظل حاضرًا في خلفية المشهد، ارتباطٌ لا يقوم فقط على الأهلية القانونية — المستمدة من أصول والده الجزائرية — بل يتجاوزها إلى بعد ثقافي وعاطفي أعمق.
أقر زيدان نفسه بأن هذا العامل كان حاسمًا في قراره، مشيرًا إلى الدور المحوري الذي لعبه جده إسماعيل، المنحدر من منطقة القبائل، في دفعه نحو هذه الخطوة.
وقال لوكا، في تصريحات صحفية إن الجزائر كانت دائمًا مرتبطة في ذاكرته بوجود جده، موضحًا:
“عندما أفكر في الجزائر أتذكر جدي، منذ الصغر ولدينا هذه الثقافة الجزائرية في العائلة. تحدثت معه قبل أن ألعب للمنتخب وكان في غاية السعادة بهذه الخطوة، في كل مرة أتلقى فيها الاستدعاء الدولي يتصل بي ويقول إنني اتخذت قرارًا رائعًا وإنه فخور بي”.
– لوكا زيدان.
الدعم العائلي، بحسب زيدان، سهّل عليه عملية الانتقال والتأقلم السريع داخل المنتخب، مؤكدًا أن والده زين الدين زيدان ترك له حرية القرار، مكتفيًا بتقديم النصيحة دون فرض أي توجّه.
“دعمني والدي، قال لي: هذا اختيارك، أستطيع أن أعطيك النصائح، لكن القرار الأخير لك وحدك”.
– لوكا زيدان.
هذا القرار تُوّج بظهوره الدولي الأول في أكتوبر، قبل أن يصبح الحارس الأساسي للمنتخب الجزائري خلال مشاركته في كأس الأمم الأفريقية المقامة حاليًا في المغرب، حيث افتتح مشواره بمواجهة السودان ضمن المجموعة الخامسة، في مباراة شهدت حضور زين الدين زيدان في المدرجات، في مشهد اختزل انتقال الاسم من الأسطورة إلى الجيل الجديد، ولكن بألوان مختلفة.

ومنذ اليوم الأول داخل المعسكر، وجد لوكا زيدان — بحسب تأكيده — ترحيبًا واسعًا من زملائه والجهاز الفني، وهو ما انعكس على شعوره بالانتماء، قائلًا:
“أنا سعيد لأنني أستطيع أن أكون جزءًا من هذا المنتخب وأدافع عن بلدي، كان يومًا رائعًا ولن أنساه”.
– لوكا زيدان.
وفي لفتة رمزية، قرر الحارس الذي اعتاد ارتداء قميص يحمل اسمه الأول «لوكا»، أن يحمل قميصه مع المنتخب اسم «زيدان»، إهداءً لجده، موضحًا: “أريد أن أجعل جدي سعيدًا، هذا أمر مهم جدًا لي”.
لوكا وجينات زيدان الأب.. لكن بطريقته
لم يمر ظهور لوكا زيدان بقميص المنتخب الجزائري في كأس الأمم الإفريقية مرورًا عاديًا، لا داخل القارة ولا خارجها. فمع تقدّم البطولة، بدأ اسمه يتردّد بقوة في الصحافة الفرنسية، ليس بوصفه “نجل زين الدين زيدان” فقط، بل باعتباره أحد أكثر عناصر منتخب الجزائر تأثيرًا في البطولة حتى الآن، في تحول لافت أعاد فتح النقاش في فرنسا حول قراره الدولي، وتوقيته، وتداعياته.
مع نهاية دور المجموعات في كأس الأمم الإفريقية 2025، بدا أن أداء لوكا زيدان فرض نفسه كأحد مفاجآت البطولة؛ ثلاث مباريات كانت كافية لإحداث صدى واسع في فرنسا، حيث بدأت الصحف المحلية تتعامل مع حضوره بوصفه قصة صعود جديدة تحمل ملامح “الوراثة الكروية”، رغم الاختلاف الجذري في مركز اللعب.
أفردت صحيفة “ليكيب” الفرنسية تقريرًا مطولًا، وصفت فيه زيدان بأنه “النجم المميز” في تشكيلة المنتخب الجزائري، مشيرة إلى أن مستواه تجاوز التوقعات، ومعتبرة أن الحارس “ورث جينات والده”، في إشارة إلى شخصيته داخل الملعب وطريقته في التعامل مع الضغط.
بعد لوكا زيدان… هل نرى بقية أبناء زيدان ثيو وإلياس بقميص الجزائر؟ 🇩🇿
— 365Scores Arabic (@365scoresarabic) December 31, 2025
يلا بينا نعرف مع هبة 💁🏻♀️#لوكا_زيدان #الجزائر #زيدان pic.twitter.com/Y4cjoogEae
وأضافت الصحيفة أن زيدان، رغم كونه حارس مرمى، أظهر قدرة لافتة على اللعب بالقدم، والتعامل مع الكرة كما لو أنه لاعب ميدان، وهو ما منح تشكيلة فلاديمير بيتكوفيتش بُعدًا إضافيًا في البناء من الخلف.
واعتبرت “ليكيب” أن مباراة الجزائر أمام الكونغو الديمقراطية تمثل اختبارًا حقيقيًا لزيدان، ليس فقط من حيث الجانب الفني، بل أيضًا في سياق تثبيت مكانته كخيار أول في مركز ظل لسنوات نقطة قلق داخل المنتخب الجزائري، وعلى طريق مواصلة “الخضر” مهمتهم في البطولة.
من جهتها، ذهبت صحيفة “لوباريزيان” إلى توصيف أكثر مباشرة، ووصفت لوكا زيدان بـ”الاكتشاف الرائع” لكأس الأمم الإفريقية 2025؛ وأكدت أن حارس غرناطة دخل المنافسة بثقة، وفرض نفسه سريعًا كأحد الركائز التي يصعب التشكيك في تأثيرها داخل منتخب الجزائر.
وكتبت الصحيفة أن زيدان “يبدو من مباراة إلى أخرى أكثر جزائرية”، في إشارة إلى سرعة اندماجه، ليس فقط مع أسلوب اللعب، بل مع الجماهير والبيئة الكروية الإفريقية عمومًا.
الكمال في ثلاث مباريات.. زيدان يدخل التاريخ
على أرض الواقع، تُرجمت هذه الكلمات إلى أرقام وأداء، ففي مواجهة الكونغو الديمقراطية ضمن دور الستة عشر، خرج المنتخب الجزائري فائزًا بهدف نظيف، وحافظ لوكا زيدان مجددًا على نظافة شباكه، ليؤكد أنه لم يكن مجرد قصة إعلامية عابرة، بل عنصر استقرار حقيقي في خط الدفاع.
وبعد أربع مباريات دولية فقط بقميص “محاربي الصحراء”، يمكن القول إن زيدان تأقلم بنسبة كبيرة مع بيئة المنتخب، بدأت رحلته الدولية منتصف شهر أكتوبر الماضي، في مواجهة أوغندا ضمن تصفيات كأس العالم، قبل أن يترك بصمته الواضحة في مشوار الجزائر نحو ربع نهائي كأس الأمم الإفريقية، حيث شارك في ثلاث مباريات من أصل أربع، ونجح في الخروج بشباك نظيفة، بينما جاء الهدف الوحيد الذي استقبلته الجزائر في لقاء غينيا الاستوائية، خلال مشاركة الحارس الآخر أنتوني ماندريا.
هذا التألق منح المدرب فلاديمير بيتكوفيتش هامشًا من الأريحية افتقده المنتخب الجزائري في السنوات الأخيرة، خصوصًا في مركز حراسة المرمى؛ والأهم، أن زيدان يخوض هذه التجربة دون أي سجل سابق في بطولات كبرى مع منتخبات الأكابر، أو في ملاعب القارة الإفريقية، ما يجعل تأثيره أكثر دلالة، ويضعه في قلب مشروع فني يبدو أنه وجد أخيرًا حارسه.
| الحارس | المنتخب | عدد المباريات | شباك نظيفة | النسبة |
|---|---|---|---|---|
| لوكا زيدان | الجزائر | 3 | 3 | 100% |
| عبد الله ديالو | السنغال | 3 | 3 | 100% |
| عبدالواحد السيد | مصر | 2 | 2 | 100% |
| سيني ديانج | السنغال | 2 | 2 | 100% |
| مورفي أكانجي | نيجيريا | 2 | 2 | 100% |
رغم حداثة تجربته على مستوى المنتخبات الكبرى. فالحارس الجزائري أصبح صاحب أكبر عدد من المباريات في تاريخ البطولة مع الحفاظ على نسبة 100% في نظافة الشباك، بثلاث مباريات كاملة دون أن تهتز شباكه، لينضم إلى قائمة محدودة للغاية من الحراس الذين جمعوا بين الاستمرارية والكمال، ويتفوق من حيث عدد المشاركات على أسماء بارزة في تاريخ البطولة.
كما وأصبح زيدان أول حارس مرمى في تاريخ منتخب الجزائر، يحافظ على نظافة شباكه في أول 3 مباريات يخوضها في بطولة كأس الأمم الإفريقية.