الدوري التركيجلطة سراي365TOPتقارير ومقالات خاصة
الأكثر تداولًا

فضائح الربع قرن.. حين باعت كرة القدم روحها على طاولة المراهنات

لم تعد المراهنات مجرّد نشاط هامشي يدور في الظل، بل تحوّلت في عصرنا الحديث إلى صناعة عالمية عابرة للحدود، تمتد خيوطها من الملاعب المحلية إلى شبكات رقمية معقّدة، وتتشابك فيها الأموال بالإغراءات والضغوط، ومع هذا الانتشار المتسارع، لم تعد المراهنات تقف عند حدود المتفرّج أو المشجّع، بل تسللت إلى قلب المنظومة الرياضية نفسها، لتصبح عنصرًا فاعلًا في تهديد نزاهة المنافسة وروح اللعب النظيف والتأثير على اللاعبين أنفسهم.

وكما تنتشر النار في الهشيم، التهمت هذه الظاهرة القيم الأساسية للرياضة، وحوّلت بعض المباريات في كرة القدم من صراع شريف على الفوز إلى مسرح حسابات خفية واحتمالات مالية، وفي قلب هذه العاصفة، تبدو كرة القدم وكأنها تعيد تمثيل أسطورة فاوست القديمة، لكن هذه المرة لا في الكتب الفلسفية ولا على خشبات المسرح، بل على العشب الأخضر، أمام ملايين المتابعين.

فكما وقف فاوست يومًا أمام إغراء المعرفة المطلقة، تقف كرة القدم الحديثة اليوم بكل عناصرها، بداية من اللاعبين وصولًا لرؤساء الأندية أمام إغراء المال السريع، وسط عالم تجاري ضاغط، وأسواق مراهنات لا تنام، وتكنولوجيا تجعل من كل حركة داخل الملعب رقمًا قابلًا للاستثمار.

ساندور تونالي، لوكاس باكيتا، وغيرهم الكثيرين من لاعبي كرة القدم اليوم، وجدوا تلك فرصة لا تفوت للحصول على الثراء السريع، لكنه لم يدركوا أن تلك ما هي إلا لعنة ستضرب كل من أراد أن يمد يده ليتلاعب بما هو ليس من حقه، لعنة ستطاردهم حتى يدفعوا الثمن مهما طال الأمد.

أسطورة فاوست.. المراهنات في كرة القدم لا تخلو من اللعنة

تروي أسطورة فاوست حكاية عالمٍ واسع المعرفة، بلغ من العلم ما بلغه أقرانه، لكنه شعر بفراغ داخلي عميق، وبعجز المعرفة الإنسانية عن منحه الرضا المطلق، وفي لحظة ضعف، اختار الطريق الأقصر بعقد صفقة مع الشيطان مقابل المعرفة المطلقة، واللذة، والسلطة، قدّم فاوست أثمن ما يملك.. روحه.

لكن جوهر الأسطورة لا يكمن في الصفقة ذاتها، بل في الوهم الذي رافقها؛ وهم السيطرة، ووهم القدرة على التراجع، ووهم أن الثمن يمكن تحمّله لاحقًا، ليست أسطورة فاوست مجرد حكاية خيالية، بل رمز فلسفي عميق لحالة إنسانية متكرّرة: حين يبرّر الفرد خرق القيم باسم الطموح، ويستبدل المبادئ بالمكاسب السريعة، معتقدًا أن بوسعه ضبط العواقب.

هذا ما يفعله اللاعبين وصناع كرة القدم في يومنا هذا، لكن النهاية دائمًا واحدة؛ فالثمن، مهما تأخر، يكون أفدح مما تخيّل كما حدث في الأسطورة، فما يفعله لاعبين اليوم لا يقل في خطورته عن ما حدث قديمًا على صفحات الورق عندما باع فاوست روحه للشيطان، كلاهما فرطا في روحهما، أحدهم مقابل المعرفة والأخر مقابل المال، ما دفع 365score بنسخته العربية لتسليط الضوء على واحدة من أبرز قضايا القرن الجديد، فبعد مرور ما يقارب ربع قرن، لا يوجد أزمة تهدد الساحرة المستديرة بقدر قضية المراهنات.

كرة القدم في مواجهة شيطانها بالقرن الجديد

على هذا النحو، تبدو كرة القدم الحديثة — بأنديتها ونجومها ولاعبيها — وكأنها دخلت صفقة فاوستية معاصرة، فإغراء المراهنات، بما تحمله من أرباح سريعة وسهولة الوصول ومنصات رقمية غير قانونية أحيانًا، بات شيطانًا جديدًا يهمس في آذان اللاعبين، خصوصًا في عالم يتزايد فيه الضغط النفسي والإعلامي، وتُقاس فيه القيمة بالأرقام والعقود لا بالمسيرة والقيم.

الخطورة هنا لا تكمن فقط في المراهنة بحد ذاتها، بل في تآكل الخط الفاصل بين التنافس الشريف والتلاعب المتعمّد، فعندما يصبح الهدف من بطاقة صفراء، أو تمريرة خاطئة، أو توقيت تبديل، مرتبطًا بسوق مراهنات، تفقد اللعبة معناها، ويتحوّل اللاعب من منافس رياضي إلى طرف في صفقة خفية تصل لحد الخيانة، وهكذا كما خسر فاوست روحه في سعيه إلى ما ظنّه خلاصًا، يخاطر لاعبي كرة القدم اليوم بخسارة روحهم، إن لم تتوقف هذه الصفقة قبل أن تكتمل فصولها.

ساندرو تونالي من الملاعب إلى المنصات غير القانونية

لم تعد قضايا المراهنات في كرة القدم مجرّد حوادث فردية يمكن احتواؤها أو تفسيرها على أنها أخطاء شخصية معزولة، بل تكشّفت خلال السنوات الأخيرة باعتبارها شبكة معقّدة وعابرة للدول، تمتد من إيطاليا إلى إنجلترا، ومن إنجلترا إلى تركيا، لتسيطر على أوروبا كلها، وتتشابك فيها المنصات الرقمية غير القانونية مع لاعبين ومديرين ووكلاء، في مشهد يعكس حجم الخطر الذي بات يهدد المنظومة الكروية بأكملها.

ففي أكتوبر 2023، أعلن الاتحاد الإيطالي لكرة القدم إيقاف الدولي ساندرو تونالي، لاعب نيوكاسل الإنجليزي، لمدة عشرة أشهر، بعد ثبوت تورطه في المراهنة على مباريات كروية، بينها مباريات لفريقه السابق ميلان، عبر منصات غير قانونية، لم تكن القضية صادمة فقط بسبب طبيعة المخالفة، بل بسبب هوية المتورط نفسه؛ لاعب دولي، نجم صاعد، وواحد من أبرز وجوه الكرة الإيطالية في جيله.

تونالي، الذي لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره عند انفجار القضية، لم يكن لاعبًا عاديًا في مشهد كرة القدم الأوروبية، بل أغلى لاعب إيطالي في التاريخ، ورمزًا لمشروع رياضي كبير راهن عليه ناديه ومنتخب بلاده، ومع ذلك، وقع في الفخ ذاته الذي وقعت فيه أسماء أقل شهرة: إغراء الربح السريع، وهم السيطرة على اللعبة، والاعتقاد بأن الصفقة يمكن إدارتها دون أن تترك أثرًا.

ساندرو تونالي - نيوكاسل يونايتد
ساندرو تونالي – نيوكاسل يونايتد – المصدر: Gettyimages

لكن العواقب جاءت قاسية وواضحة، فقد حُرم تونالي من المشاركة مع منتخب بلاده في بطولة أمم أوروبا، وفُرضت عليه غرامة مالية، إلى جانب إخضاعه لبرنامج علاجي طويل تحت إشراف الجهات المختصة، وهو ما شكّل اعترافًا رسميًا بأن المراهنات لم تعد مجرد مخالفة للوائح الرياضية، بل تحوّلت في كثير من الحالات إلى سلوك إدماني، يستوجب العلاج بقدر ما يستوجب العقاب.

بهذه الصورة، تحوّلت قصة تونالي إلى نموذج صارخ للصفقة الفاوستية المعاصرة: لاعب يملك المجد والشهرة والمال، لكنه يخاطر بكل ذلك من أجل مكاسب إضافية، ليكتشف متأخرًا أن الثمن لم يكن مباراة أو رهانًا خاسرًا، بل مسيرته وسمعته وثقة الجماهير.

العدوى تتوسع.. باكيتا وإنجلترا في مرمى النيران

في إنجلترا، لم تتوقف تداعيات المراهنات عند حدود السلوك الشخصي أو الرهانات الفردية، بل اتخذت القضية بُعدًا أكثر خطورة وتعقيدًا، حين وُجّهت اتهامات إلى لاعب وست هام يونايتد، الدولي البرازيلي لوكاس باكيتا، بالسعي عمدًا للحصول على بطاقات صفراء في مباريات رسمية، بهدف التأثير المباشر في سوق المراهنات.

في هذه الحالة، لم يعد الحديث عن لاعب يراهن سرًا عبر هاتفه، أو عن سلوك خارج إطار الملعب، بل عن تدخّل مقصود داخل المستطيل الأخضر، يمسّ جوهر اللعبة نفسها، فحين يصبح توقيت المخالفة، أو طريقة الالتحام، أو حتى ردّة فعل اللاعب تجاه الحكم، جزءًا من حسابات مالية، تتحول المباراة من تنافس رياضي مشروع إلى سيناريو مُعدّ سلفًا لخدمة رهانات محددة.

لوكاس باكيتا - وست هام يونايتد
لوكاس باكيتا – وست هام يونايتد (المصدر:Gettyimages)

خطورة قضية باكيتا لا تكمن فقط في طبيعة الاتهامات، بل في سابقة قد تفتح الباب أمام شكل جديد من التلاعب، أكثر دقة وأصعب كشفًا، فالتأثير على نتيجة مباراة كاملة قد يثير الشبهات، أما التلاعب بتفاصيل صغيرة — كبطاقة صفراء أو ركلة حرة — فيمر غالبًا تحت الرادار، بينما يكون ذا قيمة عالية في أسواق المراهنات الحديثة.

وإذا ما ثبتت هذه الاتهامات، فإننا نكون أمام مرحلة أخطر من الصفقة الفاوستية: مرحلة لا يُضحّى فيها فقط بنزاهة لاعب واحد، بل تُقوّض فيها الثقة في عدالة المنافسة، ويصبح كل قرار تحكيمي، وكل تصرّف فردي، موضع شك وتساؤل لدى الجماهير، ونذكر أن هذا ما تم كشفه حتى الأن، فماذا عن ما هو مخبأ في الظلال؟

لوكاس باكيتا - وست هام يونايتد
لوكاس باكيتا – وست هام يونايتد (المصدر:Gettyimages)

تركيا.. حين أصبح حريق المراهنات شاملًا

أما في تركيا، فقد تجاوزت قضية المراهنات حدود الصدمة، لتتحوّل إلى زلزال رياضي حقيقي هزّ أركان كرة القدم من القاعدة حتى القمة، لم يعد الأمر مقتصرًا على أسماء فردية أو حالات معزولة، بل اتخذ طابعًا جماعيًا واسع النطاق، كشف عن خلل عميق في المنظومة، وعن اختراق خطير طال اللاعبين والحكّام والإداريين على حد سواء.

مئات اللاعبين، وعشرات الحكّام، ومسؤولون إداريون، بل وحتى رؤساء أندية، وجدوا أنفسهم تحت طائلة التحقيق في واحدة من أوسع قضايا المراهنات في تاريخ الكرة التركية بل والساحرة المستديرة بكشل عام، مشهد غير مسبوق أعاد طرح سؤال النزاهة بقوة، وترك الجماهير أمام حقيقة مؤلمة: حين تتفشّى المراهنات، لا تسلم مؤسسة ولا موقع.

تركيا (المصدر:Gettyimages)
تركيا (المصدر:Gettyimages)

إيقاف لاعبين، وتجميد مسابقات، واتهامات بالمراهنة ضد الفرق نفسها — وهي أقصى درجات الخيانة الرياضية — كلها مؤشرات على أن الصفقة الفاوستية لم تعد فردية أو عابرة، بل تحوّلت إلى سلوك جماعي راسخ تهدد الثقة العامة في اللعبة، وتضرب الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه المنافسة.

وفي هذا السياق، أعلن الاتحاد التركي لكرة القدم معاقبة 102 لاعب من الدرجتين الأولى والثانية في الدوري، من بينهم إيرين إلمالي ومتهان بالتاجي، لاعبا جلطة سراي، بإيقافات متفاوتة، ضمن تحقيقات موسّعة في مزاعم المراهنة على المباريات، ولم تتوقف الإجراءات عند اللاعبين، إذ أوقف الاتحاد في وقت سابق من الشهر نفسه 149 حكمًا وحكمًا مساعدًا، بعد أن توصّل التحقيق إلى تورّط حكّام كانوا يديرون مباريات في كرة القدم الاحترافية بينما يشاركون في المراهنات عليها.

وتصاعدت الأزمة بشكل غير مسبوق عندما اتسع نطاق التحقيق ليشمل اعتقال ثمانية أشخاص، من بينهم رئيس أحد أندية دوري الأضواء، إلى جانب إيقاف أكثر من ألف لاعب مع استمرار التحقيقات، كما تقرّر إيقاف مباريات الدرجتين الثانية والثالثة لمدة أسبوعين، في خطوة عكست حجم الكارثة وعمق تأثيرها على المشهد الكروي.

جلطة سراي

في هذه المرحلة، لم يعد السؤال مطروحًا حول لاعب أخطأ أو حكم تجاوز اللوائح، بل حول منظومة كاملة دخلت في صفقة فاوستية جماعية، ظنّت أن بإمكانها التعايش مع المراهنات، قبل أن تكتشف أن النار حين تشتعل، لا تفرّق بين فرد ومؤسسة.

كرة القدم في مواجهة مرآتها

ما يجمع بين فاوست في أسطورته القديمة، وساندرو تونالي في إيطاليا، ولوكاس باكيتا في إنجلترا، والتحقيقات الواسعة في تركيا، ليس الذنب وحده ولا اختلاف الأزمنة والسياقات، بل الوهم الذي يتكرّر بصور متعددة، وهم أن المال السريع لا يترك أثرًا، الخطأ يمكن احتواؤه داخل دائرة ضيّقة وأن الصفقة يمكن فسخها متى شاؤوا، قبل أن تطالب بثمنها الكامل.

هذا الوهم هو جوهر الصفقة الفاوستية في نسختها الحديثة، فكل طرف يعتقد أنه أذكى من النظام، أو أنه قادر على اللعب على الحواف دون أن يسقط في الهاوية، لاعب يراهن ويظن أن الأمر لن يتجاوز خسارة مالية عابرة، حكم يعتقد أن مشاركته لن تُكتشف، ومسؤول يتخيّل أن الشبكة التي نسجها محكمة بما يكفي لتفادي المحاسبة.

لكن أسطورة فاوست، كما واقع كرة القدم اليوم، تقول عكس ذلك تمامًا.. فالصفقة لا تُلغى، والثمن لا يُخفَّف، والسقوط لا يأتي فجأة، إنه انهيار بطيء ومتدرّج، يبدأ بتنازل صغير، ثم يتبعه آخر، حتى تصبح النزاهة نفسها تفصيلًا يمكن التضحية به، وحين تُباع الروح — سواء كانت روح إنسان أو روح لعبة — لا يكون السقوط لحظة واحدة مدوّية، بل سلسلة من التشققات الصامتة، إلى أن يقف الجميع أمام المرآة، ليروا انعكاس لعبة فقدت ملامحها الأولى، ولم يبقَ منها سوى السؤال الأثقل: هل ما زالت كرة القدم قادرة على إنقاذ نفسها قبل فوات الأوان؟

هل من خلاص في قضية المراهنات؟

لم يعد السؤال المطروح اليوم مقتصرًا على تحديد المتورطين أو حصر الأسماء التي سقطت في فخ المراهنات، بل أصبح سؤالًا وجوديًا يطال اللعبة نفسها: كيف وصلت كرة القدم، بكل تاريخها وشغفها وجماهيرها، إلى هذه اللحظة الحرجة؟ كيف تحوّلت من مساحة للتنافس الشريف إلى ساحة تتصارع فيها المصالح المالية مع القيم الرياضية؟

إن الاكتفاء بالعقوبات والإيقافات، مهما بدت صارمة، لا يكفي وحده لمعالجة الأزمة، فالعقوبة قد توقف لاعبًا أو حكمًا، لكنها لا توقف منظومة كاملة تقوم على تشابك معقّد بين كرة القدم وسوق المراهنات، وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام الاتحادات الرياضية يتمثل في امتلاكها الشجاعة لإعادة النظر في علاقتها بهذه السوق التي باتت في الوقت نفسه مصدرًا للتمويل وتهديدًا مباشرًا للنزاهة؟

أسطورة فاوست تقدّم درسًا واضحًا في هذا السياق؛ فالمأساة لم تبدأ حين سلّم فاوست روحه، بل حين أقنع نفسه أن الصفقة يمكن التحكم فيها، وهو الوهم ذاته الذي تعيشه كرة القدم اليوم، حين تظن أن بإمكانها الاستفادة من أموال المراهنات دون أن تدفع الثمن الأخلاقي، غير أن التجربة، كما الأسطورة، تثبت أن التنازلات الصغيرة تمهّد دائمًا لانهيارات أكبر.

ففي عالم تحكمه الأرقام والاحتمالات، حيث تُختزل المباريات في نسب فوز وخسارة، تبقى حقيقة واحدة عصيّة على التزييف هي أن القيم لا تُقاس بالأرباح، وروح اللعبة لا تُعوّض، وكل صفقة مع الشيطان، مهما بدت مغرية ومربحة في بدايتها، تنتهي في النهاية بخسارة لا يمكن إصلاحها.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.