معجزة البريميرليج في ورطة.. كيف انزلق ليستر سيتي من قمة الهرم إلى القاع؟
في كرة القدم، كما في الحياة، دوام الحال من المحال، لا قمة تدوم، ولا سقوط يأتي فجأة دون مقدمات، لكن ما عاشه ليستر سيتي يتجاوز فكرة التعثر العابر أو سوء الطالع؛ إنها حكاية نادٍ لمس السماء، ثم جلس بعدها وكأنه اكتفى بالأحلام التي تحققت، حتى نسي أبسط قواعد الصراع، كيف تقاتل من أجل البقاء، معجزة تاريخية تحولت بمرور الوقت من مصدر إلهام إلى عبء ثقيل، لم تعرف الإدارة كيف تحمله أو تحميه.
قبل عشر سنوات فقط، كان اسم ليستر سيتي يُكتب بحروف من ذهب في سجلات الكرة العالمية، بطل الدوري الإنجليزي الممتاز، الفريق الذي كسر منطق المال، وأهان غرور الكبار، وأعاد تعريف المستحيل، مجموعة لاعبين قادمين من الهامش، آمنوا بأنفسهم، تماسكوا كعائلة واحدة، وصعدوا بقوة التنظيم والروح فوق عروش عمالقة البريميرليج، لم يكن اللقب مجرد إنجاز، بل رسالة لكل من يؤمن بأن كرة القدم لا تزال لعبة قادرة على مفاجأة العالم.

لكن المجد، حين لا يُدار بحكمة، يتحول إلى فخ، بعد اللقب التاريخي، فشل ليستر في تحويل المعجزة إلى مشروع مستدام، النجوم رحلوا تباعًا، القرارات الإدارية افتقدت الرؤية، والنجاح أصبح ذكرى أكثر منه دافعًا، بدلاً من البناء على القمة، بدأ النادي يتآكل من الداخل، موسمًا بعد آخر، حتى تلاشى بريق الفريق الذي كان يُخيف الكبار، وتحول إلى نادٍ يصارع من أجل النجاة.
واليوم، يقف ليستر سيتي على حافة الهاوية، لا يفصله عن مراكز الهبوط إلى الدرجة الثانية من الدوري الإنجليزي سوى فارق الأهداف، ولا تظهر في الأفق مؤشرات انتفاضة حقيقية، لا في النتائج ولا في العناصر، فريق بلا أنياب، بلا هوية واضحة، وبلا روح ذلك المقاتل الذي صنع المعجزة ذهب ولم يعد، الثعالب، لم يعودوا ثعالب، بل ذكرى مؤلمة تُجسد كيف يمكن لنادٍ أن يسقط من قمة الهرم إلى حافة القاع، حين يُهدر أعظم فرصة في تاريخه.
#BIRLEI will kick-off at 3:01pm, as an important reminder that every minute matters when it comes to performing life-saving CPR ❤️
— Leicester City (@LCFC) February 6, 2026
معجزة البريميرليج.. ليستر سيتي شبعوا أفراحًا ثم تاهوا
موسم 2015-2016 لم يكن مجرد لقب يُضاف إلى خزائن ليستر سيتي، بل كان زلزالًا كرويًا هز العالم بأكمله، فريق مرشح للهبوط، بلا نجوم لامعة ولا ميزانية ضخمة، يتوج بطلاً لأقوى دوري في العالم، أسماء مثل جيمي فاردي، رياض محرز، نجولو كانتي، كاسبر شمايكل، ويس مورجان، وروبرت هوث تحولت بين ليلة وضحاها من لاعبين مغمورين إلى أساطير شعبية، تُروى حكاياتهم في كل ملاعب أوروبا.
ذلك اللقب لم يُسقط كبار إنجلترا فحسب، بل حطم الفكرة السائدة بأن كرة القدم حكر على الأثرياء وأصحاب النفوذ، ليستر سيتي أصبح رمزًا للأمل، ودليلًا حيًا على أن الإيمان والتنظيم والروح قد تتفوق على المال والأسماء الثقيلة، كان النادي الصغير حكاية كل مشجع يؤمن بأن المعجزة ليست وهمًا، بل احتمالًا قائمًا لمن يجرؤ على الحلم.

لكن السؤال الأخطر لم يُطرح حينها بجدية: ماذا بعد المعجزة؟ منذ تلك اللحظة التاريخية، بدا وكأن ليستر دخل في حالة من الاكتفاء، وكأن الفرح بلغ ذروته ولم يعد هناك ما يُقاتل من أجله، النجاحات التي تلت ذلك – مشاركات أوروبية، أدوار متقدمة، والتتويج بكأس الاتحاد الإنجليزي عام 2021 – لم تكن فشلًا، لكنها كانت بقايا زخم أكثر منها مشروعًا طويل الأمد، الإدارة لم تُحوّل الأسطورة إلى مؤسسة، ومع مرور السنوات بدأ التراجع ببطء ثم بسرعة مخيفة، حتى تاه الفريق الذي كان يومًا معجزة البريميرليج.
إنذار لم يُقرأ ثم الكارثة الحقيقية
هبوط موسم 2022-2023 كان صدمة حقيقية لجماهير ليستر سيتي، لكنه في الوقت ذاته حمل كل ملامح الإنذار المبكر، كثيرون رأوا أن الفريق لا يستحق السقوط، وأن اسمه وتاريخه القريب أكبر من التشامبيونشيب، لكن لغة الأرقام كانت أكثر قسوة من العاطفة: دفاع هش، قرارات فنية متأخرة، وسياسة انتقالات افتقدت الروح والاتجاه، كان السقوط نتيجة تراكمات، لا حادثًا عابرًا.
ورغم ذلك، ساد الاعتقاد بأن الهبوط ليس سوى عثرة مؤقتة، وأن العودة إلى البريميرليج ستكون مسألة وقت لا أكثر، عاد ليستر بالفعل، لكن العودة جاءت بلا جذور قوية، وبلا مراجعة حقيقية لأسباب السقوط، نفس الأخطاء، نفس الارتباك، ونفس غياب الهوية، وكأن الدرس لم يُستوعب، أو ربما لم يُرَد له أن يُستوعب من الأساس.
Focusing on the details ahead of #BIRLEI 💬
— Leicester City (@LCFC) February 6, 2026
أما الكارثة الحقيقية، فلم تكن في هبوط 2022-23، بل في الهبوط الأخير لموسم 2024-25 لدوري الدرجة الأولى، هنا لم يعد الحديث عن سوء حظ أو موسم عاثر، بل عن انهيار كامل، ليستر تلقى هذا الموسم 12 هزيمة، أكثر مما حقق من انتصارات في التشامبيونشيب (10 فقط)، فريق يخسر أكثر مما يفوز، ويتراجع أكثر مما يقاتل، والأسوأ أن النادي بات على حافة الهبوط المزدوج، مهددًا بالانزلاق من البريميرليج إلى التشامبيونشيب، ثم إلى الدرجة الثانية، في سيناريو كان يبدو مستحيلًا قبل عشر سنوات فقط.
خصم 6 نقاط.. الضربة القاضية لثعالب ليستر سيتي
وكأن النتائج السيئة وحدها لا تكفي، تلقى ليستر سيتي الضربة الإدارية القاتلة التي زادت الجراح عمقًا، بعدما تقرر خصم 6 نقاط رسميًا من رصيده، عقوبة لم تأتِ في توقيت أسوأ، لنادٍ يصارع أصلًا من أجل البقاء، لتتحول الأزمة من فنية داخل الملعب إلى كارثة شاملة تضرب أساسات الفريق.
سبب العقوبة كان واضحًا وصادمًا في آنٍ واحد: مخالفة قواعد الربحية والاستدامة الخاصة برابطة دوري الدرجة الأولى الإنجليزي لموسم 2023–2024، لجنة مستقلة أوصت بتوقيع الجزاء، وصادق عليه مجلس إدارة الرابطة في وقت متأخر، في قرار عكس حجم التجاوزات التي ارتكبها النادي بعيدًا عن الأضواء.

اللجنة، التي تشكلت بموجب قواعد الدوري الإنجليزي الممتاز في مايو الماضي، خلصت إلى أن ليستر سيتي تجاوز الحد المسموح به للربحية والاستدامة بمقدار 20.8 مليون جنيه إسترليني خلال فترة تقييم امتدت لثلاث سنوات وانتهت مع موسم 2023–2024، ولم يتوقف الأمر عند ذلك.
إذ ثبت أيضًا أن النادي خالف القواعد بعدم تقديم حساباته السنوية في الموعد المطلوب، أخطاء إدارية قاتلة، لم يدفع ثمنها المسؤولون في المكاتب، بل الفريق داخل المستطيل الأخضر، وجماهيره التي وجدت نفسها أمام أزمة أكبر من مجرد خسارة مباراة.

ليستر سيتي من مشروع نمو إلى فوضى مالية
كان ليستر سيتي في سنواته الذهبية نموذجًا يُحتذى به في الإدارة الذكية والتدرج المنطقي في النمو، نادٍ يعرف حدوده، يُنفق بحساب، ويطوّر مشروعه خطوة بخطوة دون تهور، لكن بعد المعجزة، اختل الميزان، الطموح قفز أسرع من الإمكانات، والرغبة في البقاء بين الكبار تحولت إلى سباق غير محسوب، فبدأ الإنفاق بعقلية “اللحاق بالكبار”، لا بعقلية الاستدامة التي صنعت النجاح في الأساس.
ومع مرور الوقت، تحوّل المشروع من قصة نمو متزنة إلى فوضى مالية، قرارات متأخرة، حسابات غير دقيقة، والتزامات تجاوزت القدرة الحقيقية للنادي، حتى جاءت العقوبات لتكشف حجم الخلل، في كرة القدم، قد تتأخر العواقب، لكنها لا تختفي، الحساب المتأخر لا يرحم، وليستر سيتي يدفع اليوم ثمن سنوات من الابتعاد عن المبادئ التي أوصلته يومًا إلى القمة.

التفريط في النجوم.. بداية الانحدار لليستر سيتي
كان تفكيك فريق المعجزة هو الشرخ الأول في جدار ليستر سيتي، وربما الأخطر، فبعد لقب 2016، بدأت الأسماء التي صنعت الحلم تختفي واحدًا تلو الآخر، دون أن يأتي البديل القادر على حمل نفس الروح أو بث نفس الإيمان، كاسبر شمايكل، رمز الاستقرار وحارس اللحظات الكبرى، غادر بعد 11 عامًا في صمت، منتقلاً مجانًا إلى نيس الفرنسي، وكأن صفحة كاملة من تاريخ النادي أُغلقت بلا وداع يليق بها.
أما داني سيمبسون، أحد أبطال اللقب، فتاه بين هدرسفيلد وبريستول سيتي، قبل أن يختفي تمامًا بلا نادٍ، في صورة تلخص مصير كثيرين من أبناء تلك المعجزةر روبرت هوث اعتزل مبكرًا، ثم عاد في دور إداري رمزي، بينما خرج القائد ويس مورجان من المشهد الكروي إلى أدوار استشارية، تاركًا فراغًا قياديًا لم يُملأ، وحتى كريستيان فوكس، أحد رموز الفريق، اتجه إلى عالم الأعمال والرياضات الإلكترونية، قبل أن يعلن اعتزاله نهائيًا، أسماء رحلت، ومعها رحلت الروح.

لكن الضربات الأشد جاءت برحيل أعمدة لا تُعوّض بسهولة، نجولو كانتي، قلب المحرك وروح الافتكاك، انتقل إلى تشيلسي، تاركًا فراغًا لم تنجح أي صفقة في سده، مهما تعددت المحاولات، لاعب واحد كان يُعادل فريقًا كاملًا في التوازن والضغط والافتكاك، ورحيله كسر العمود الفقري للفريق.
ثم كان الرحيل الأكثر إيلامًا: رياض محرز، الساحر الجزائري انتقل إلى مانشستر سيتي، وهناك حصد 7 ألقاب محلية منذ 2018، مؤكّدًا أنه لم يكن مجرد جناح موهوب، بل جزءًا من نواة بطلة، نجاحه المتواصل مع السيتي كان بمثابة تذكير مؤلم لليستر بما فقده، صحيح أن النادي كسب أموالًا من هذه الصفقات، لكنه خسر ما هو أثمن.. الهوية التي صنعت المعجزة، ولم يستطع تعويضها حتى اليوم.

الثعالب بلا أنياب.. من القمة إلى القاع بسبب الإدارة
ليستر سيتي اليوم لم يعد ذلك الفريق الذي كان يُربك حسابات الكبار ويقتحم المباريات بلا خوف، لا سرعة جيمي فاردي التي كانت تمزق الدفاعات، ولا سحر رياض محرز الذي يصنع الفارق من لا شيء، ولا صلابة ويس مورجان في الخط الخلفي، ولا شراسة نجولو كانتي التي كانت تمنح الفريق توازنًا نادرًا، ما تبقى هو فريق بلا هوية واضحة، وبلا قادة حقيقيين داخل المستطيل الأخضر، يعتمد أكثر على الذكريات مما يعتمد على الحلول.
الأخطر من كل ذلك هو غياب الأمل، النتائج لا تبشر بانتفاضة قريبة، والعناصر الحالية لا توحي بقدرة على قلب الطاولة، بينما تعيش الجماهير على أطلال الماضي، تستحضر صور المعجزة كلما حاولت فهم ما يحدث الآن، الحماس الذي كان يملأ المدرجات تحوّل إلى قلق، والإيمان الذي صنع الحلم بات مجرد حنين.
وما حدث لليستر ليس لعنة، ولا عقابًا إلهيًا، بل نتيجة طبيعية لسياسة إدارية قصيرة النظر، معجزة لم تتحول إلى مشروع طويل الأمد، ونجاح لم يُستثمر بحكمة، وأموال لم تُدار بعقلية الاستدامة، في كرة القدم، المعجزة قد تأتي في لحظة، لكن البقاء في القمة يحتاج عقلًا، تخطيطًا، وقدرة على حماية الحلم قبل أن يتحول إلى سقوط مؤلم.
النهاية المفتوحة.. هل من عودة لثعالب ليستر؟
اليوم، يقف ليستر سيتي على حافة مستقبل غامض يميل إلى الظلام أكثر مما يميل إلى الضوء، شبح الهبوط المزدوج بات احتمالًا واقعيًا، والحديث عن الوصول إلى الدرجة الثانية لم يعد ضربًا من الخيال، بل سيناريو مطروحًا بقوة، نادٍ كان بطل إنجلترا قبل عشر سنوات فقط، يجد نفسه الآن يقاتل من أجل البقاء، لا من أجل المجد، في صورة تختصر قسوة كرة القدم حين تدور دورتها بلا رحمة.
ورغم هذا المشهد القاتم، تبقى كرة القدم لعبة لا تُغلق أبوابها تمامًا، ربما يعود ليستر سيتي يومًا ما، فالتاريخ مليء بحكايات السقوط ثم النهوض، لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها هي أن المعجزة لا تتكرر بالطريقة ذاتها، وأن العودة – إن حدثت – ستحتاج طريقًا أطول، وعقلًا أهدأ، وقرارات أكثر شجاعة مما مضى.
ليستر سيتي علّم العالم يومًا أن الأحلام ممكنة، وأن المستحيل قد يتحقق حين تجتمع الروح والإيمان، لكنه اليوم يعلّم درسًا أقسى وأوضح: أن الحلم، إن لم يُحمَ ويُدار بحكمة، يتحول مع الوقت من قصة ملهمة إلى كابوس مؤلم.